هدنة الحمائم في الشرق الأوسط… هل تفجّر صراعات الصقور في الداخل؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

أشهر من الحرب مع إيران، سبقها سنوات من العقوبات، انتهت على طاولة مفاوضات مسارها يشبه طبيعة الشرق الأوسط الجيوسياسية، الوعرة والمتقلبة، حيث تتقاطع المصالح الدولية وتتباين. لكن مهما كانت طريق التسوية صعبة وتفتقر إلى البنية التحتية، فإنها تبقى مسألة حتمية في كل صراع. وهذه الحتمية، قبل الوصول إليها، تصطدم بالخلافات الداخلية.في إيران، وقبل انطلاق محادثات بورغنشتوك في سويسرا، لفتت كلمة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الأنظار بإعلانه رفض مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لكنه قبل بها تجاوباً مع التعهدات والتطمينات التي قدمها له الرئيس مسعود بزشكيان وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي بأنهم "يتحملون بشكل كامل مسؤولية حماية حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة".كذلك، ظهر الخلاف في الرأي بين وزارة الخارجية والحرس الثوري من خلال التصريحات المتناقضة في الوكالات الإيرانية التابعة للحرس، وعلى رأسها "فارس" و"تسنيم"، اللتين شنتا هجوماً حاداً على وزير الخارجية عباس عراقجي بعد أن دعا وسائل الإعلام المحلية إلى "عدم التكهن بمضمون الاتفاق". واعتبر الحرس الثوري أن هذا "الصمت والغموض" يتركان فراغاً سياسياً وإعلامياً يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرصة فرض روايته الخاصة وتوظيف الموقف لمصلحته.وقبل هذا وذاك، شهدت شوارع إيران تظاهرات احتجاجاً على غلاء المعيشة، تحولت كسابقاتها إلى احتجاجات سياسية معارضة.ويرى مدير "مركز الدراسات العربية الإيرانية" في لندن الدكتور علي رضا نوري زاده أن هذا التناقض ناتج من "غياب قيادة مركزية واحدة منذ غياب المرشد الأعلى علي خامنئي"، ويشبّه الأمر بأن "الأمور تُدار بواسطة مجموعة من الجزر شبه المستقلة".ويقول في حديثه مع "النهار" إن "أقوى مجموعة هي مجموعة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف"، وإن الانقسام الداخلي سيبقى قائماً حتى يتمكن قاليباف من "السيطرة على باقي الجزر". ويضيف أنه في حال حدث ذلك، "فعليه مصالحة وإعادة الثقة إلى الملايين من الإيرانيين الذين تعرضوا للعنف في شباط/فبراير وآذار/مارس الماضيين، وبعد مقتل أربعين ألف متظاهر". أما في غير ذلك، فإن الشعب الإيراني "ينتظر الساعة المناسبة لإطلاق انتفاضته الثالثة".

عام 2023، وقبل أشهر من أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، شهدت إسرائيل واحدة من أكبر الاحتجاجات الشعبية رفضاً لما سُمّي آنذاك "الإصلاح القضائي"، الذي كانت حكومة بنيامين نتنياهو تسعى من خلاله إلى تقليص نفوذ المحكمة العليا ومنح الحكومة والائتلاف الحاكم سلطة واسعة في إدارة مفاصل الدولة، وهو ما وصفته المعارضة بـ"الانقلاب القضائي".ومع "طوفان الأقصى"، حمّلت المعارضة نتنياهو مسؤولية ما حدث، وظهر ذلك بوضوح عندما اتهم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان نتنياهو بأنه "موّل ودعم حركة حماس".وخلال الحرب مع إيران ولبنان، وعلى الرغم من أن الأطراف الإسرائيلية جميعها كانت متفقة على أهداف الحرب وتطالب بتحقيق أكبر قدر من المكاسب لإسرائيل، فإنها في الوقت نفسه أدت إلى تزايد حدة الخلافات، مع اتهام المعارضة نتنياهو بأنه "باع أوهاماً" ولم يحقق أهدافه المعلنة.وما زاد الطين بلة التباعد في المواقف من هذه الحرب مع الولايات المتحدة، وما نتج منه من اتصالات حادة اللهجة بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية.وآخر هذه التصريحات ما جاء على لسان نائب الرئيس جي دي فانس، الذي حذر بشكل مباشر الوزيرين المتشددين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من انتقاد التفاهم مع إيران. وقال لهما إن "ثلثي الأسلحة التي حمت إسرائيل صُنعت بأيدٍ أميركية وبأموال دافعي الضرائب"، ووجه ما يشبه النصيحة لنتنياهو بأنه لا يملك خيار خسارة أو انتقاد "الصديق والحليف القوي الوحيد المتبقي لإسرائيل في العالم".هذه الخلافات العلنية وجدت فيها المعارضة الإسرائيلية تهديداً للعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وباتت تتهم نتنياهو بأنه ألحق ضرراً بالأمن الإسرائيلي.وعن هذه الخلافات الداخلية، يلفت رئيس "منتدى الشرق الأوسط للدراسات" الدكتور سمير غطاس إلى أن "إسرائيل من أبرز الساحات التي ستظهر فيها الخلافات، وعلى أكثر من مستوى".ويشرح ذلك بأن نتنياهو "حاول التنصل من مسؤوليته عن السابع من تشرين الأول/أكتوبر"، وألقى المسؤولية على الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية متهماً إياها بالإهمال، كما أنه "يتهرب من طلب المعارضة تشكيل لجنة تحقيق في أحداث أكتوبر". كذلك يخوض معركة ضد القضاء بعد اتهامه بقضايا تتعلق بالفساد والرشوة.ويشير غطاس إلى استطلاعات رأي تُظهر واقع المعارضة الإسرائيلية، وكيف أن أحزابها بدأت تتقدم على حزب الليكود، ويحدد بصورة أساسية تحالف "معاً" الذي يقوده نفتالي بينيت ويائير لابيد، إضافة إلى حزب "يشار" بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي قُتل ابنه في غزة.ويستطرد قائلاً: "مع ذلك، لا يمكن توقع نتائج حاسمة من الاستطلاعات. نتنياهو قد يكون نمراً جريحاً، لكن لا يمكن إنكار قدراته، فهو الشخصية الأطول بقاءً في رئاسة الحكومة، متفوقاً على بن غوريون".ويضيف الباحث نفسه إلى جملة المشاكل التي تفاقم الخلاف الداخلي، ومنها المشكلة الاقتصادية وتراجع سعر صرف الشيكل أمام الدولار، ما أثر في شركات التكنولوجيا، "لكن علينا أن ننتبه كذلك إلى أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية فاقت قيمتها 19 مليار دولار".وبرأيه، فإن ما يظهره الداخل الأميركي من "تراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي داخل الكونغرس ومجموعة أيباك يزيد من الخلاف الداخلي الإسرائيلي، وتحميل نتنياهو المسؤولية والتبعات".