هجرة العقول تضرب أمريكا.. علماء يهربون من سياسات ترامب إلى أوروبا والصين

تواجه الولايات المتحدة موجة متزايدة من مغادرة العلماء والباحثين إلى جامعات ومؤسسات بحثية في أوروبا ودول أخرى، وسط مخاوف من تأخر التمويل البحثي، والتغييرات التي طالت منظومة المنح الفيدرالية، والقلق بشأن مستقبل البحث العلمي.

وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن عددًا من العلماء الأمريكيين والباحثين الأجانب العاملين في الولايات المتحدة بدأوا البحث عن فرص مهنية خارج البلاد، بعدما اتجهت جامعات ومراكز بحثية دولية إلى استقطابهم، عبر تقديم تمويل أكثر استقرارًا وضمانات أوسع للاستقلال الأكاديمي.

ومن بين هؤلاء العالمة هايلي فروليخ، التي انتقلت مع زوجها وابنتها إلى فنلندا، حيث تواصل أبحاثها في جامعة هلسنكي بشأن تأثير تغير المناخ على الأسماك والمحار والأعشاب البحرية. وجاء قرارها بعد تأخر منح بحثية في الولايات المتحدة وإلغاء بعضها، إلى جانب مخاوفها من مستقبل تمويل أبحاثها.

وقالت فروليخ إن تراكم هذه المخاوف دفع أسرتها إلى التفكير جديًا في مغادرة البلاد، مضيفة أن الولايات المتحدة لم تعد تبدو لهم المكان الذي يمكنهم اعتباره وطنًا لمستقبلهم.

وأوضحت الوكالة أن التغييرات التي شهدها قطاع البحث العلمي في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك تقليص بعض المنح الفيدرالية وتأخر التمويل، دفعت جامعات في دول مثل فنلندا وكندا وفرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة إلى إطلاق مبادرات لاستقطاب الباحثين الأمريكيين.

ونقلت «أسوشيتد برس» عن توبين سميث، نائب الرئيس الأول للعلاقات الحكومية والسياسة العامة في رابطة الجامعات الأمريكية، قوله إن مسؤولي البحث في عدد من الجامعات يتحدثون عن فقدان مؤسساتهم أعضاء بارزين في هيئات التدريس لصالح مؤسسات خارجية.

في المقابل، دافعت مساعدة المتحدث باسم البيت الأبيض ليز هيوستن عن سياسات الإدارة الأمريكية، مؤكدة أن ترامب يسعى إلى الحد من الهدر والحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في الابتكار العلمي، من خلال تمويل الأبحاث التي تعتبرها الإدارة ذات قيمة حقيقية.

لكن مؤشرات عدة تعكس حجم القلق داخل الأوساط العلمية؛ إذ أشار تقرير صادر في أبريل عن ائتلاف الأعمال لتمويل البحوث الفيدرالية إلى أن أكثر من نصف الولايات الأمريكية فقدت علماء لصالح برامج توظيف في دول أخرى. كما أظهرت بيانات أن خريجي الدكتوراه في الفيزياء لعام 2025 يغادرون الولايات المتحدة بأعلى معدل منذ ثلاثة عقود.

ولم تقتصر الظاهرة على العلماء الأمريكيين، بل شملت أيضًا باحثين أجانب سبق أن انتقلوا إلى الولايات المتحدة للاستفادة من مكانتها العلمية.

فقد غادر عالما الأحياء جيمس ليتس وماريا مالدونادو وظائفهما في جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيس، وانتقلا إلى جامعة موناش في أستراليا، بعد سنوات من العمل البحثي في الولايات المتحدة.

وأوضح ليتس أن حالة عدم اليقين بشأن المنح البحثية، وما ترتب عليها من صعوبات في الاحتفاظ بأعضاء الفريق العلمي، أسهمت في اتخاذ قرار الانتقال، مشيرًا إلى رغبته في مواصلة أبحاثه ضمن بيئة توفر فرصًا أفضل لإنجاز الاكتشافات العلمية.

كما أشار التقرير إلى مغادرة العالم عمر ياغي، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025، منصبه في جامعة كاليفورنيا ببيركلي لتولي قيادة مختبر للذكاء الاصطناعي في إحدى الجامعات الصينية، وفقًا لما ورد في التقرير.

وحذّر باحثون من أن استمرار خروج الكفاءات العلمية قد ينعكس على قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بمكانتها الرائدة في مجالات البحث والابتكار، فضلًا عن تأثيره المحتمل على إعداد الجيل المقبل من العلماء.

ووفقًا لبيانات جمعتها رابطة الجامعات الأمريكية، تراجعت أعداد المقبولين في برامج الدكتوراه لدى مؤسسات بحثية رائدة بنسبة 15% لخريف 2026 مقارنة بالعام السابق.

وأشار التقرير إلى أن تداعيات فقدان الكفاءات قد لا تظهر بالكامل إلا بعد سنوات، في ظل المخاوف من تقلص فرص الدراسات العليا، وتراجع التمويل، وضعف الإرشاد الأكاديمي للباحثين الشباب.

ورغم استمرار امتلاك الولايات المتحدة جامعات ومراكز بحثية متقدمة وموارد ضخمة، فإن العلماء الذين غادروا البلاد أو اختاروا البقاء فيها يحذرون من أن تراجع الثقة في استقرار البيئة البحثية قد يؤدي إلى استمرار انتقال المواهب العلمية إلى الخارج خلال السنوات المقبلة.