شُفت جانبًا مما قرأتُه عند صنع الله إبراهيم لمّا رُحت «النيل والحياة» (1968) الفيلم الممنوع الذي عُرض في برنامج «نظرة على أرشيف يوسف شاهين»، فهو يذكر بـ«نجمة أغسطس» (1974)، فكلاهما عن بناء السد العالي، ما تخيلتُه بينما أقرأ أوصاف الرواية بلغتها الذاتية المُقتصدة تَحرَك مُنسابًا ملونًا نابضًا بالحياة على الشاشة: عمليات التفجير، موقع بناء لا أول له ولا آخر، تحدث فيه معجزة بشرية، الحياة ثنائية اللغة، روسي – عربي في صحراء أسوان. الفروق الشاسعة بين حياة المصريين وحياة شركائهم السوفييت، للأوائل أتوبيسات متهالكة مُحطمة الزجاج وللآخرين فاخرة مُكيفة، تمييز صارخ، وهو ما تبرره إحدى شخصيات الرواية أن ذلك حدث بسبب مضايقات تعرضت لها الروسيات من ركاب مصريين. كأن تداخلًا يحدث حين نشوف الفيلم ونقلّب الرواية، تقاطع وتكامل رغم الفارق بين الوسيطين، وكوّن مخرج «النيل والحياة» يقود فريق روسي مصري، ويُكلف بإنتاج فيلم دعائي عن أكبر مشروع يكلل تحالفهما، يُقال إن ناصر هو الذي اختار شاهين لإعجابه بـ«الناصر صلاح الدين» (1963)، بينما مؤلف «نجمة أغسطس» يسافر إلى منطقة بناء السد حتى يكتشف حقيقة ما يحدث بعيدًا عن بروباجاندا الإعلام. لكن هل يمكن أن نستنبط حكاية مختلفة من العملين، أو نغزل ضفيرة منهما؟! نرى في الفيلم مساكنهم، حيث يعيش الممثلون الروس في عمارات حديثة الطراز، جميلة مبنية بعناية، حركة الكاميرا من السرير إلى الصالة فالمطبخ، تشعرك بالبراح والتنسيق الجيد والعناية بالديكور، مقابل مشاهد التكدس التي نراها حين يزور روسي مصريًا؛ فالأخير يعيش بغرفة واحدة على السطح، أو معاناة راوي نجمة أغسطس في البحث عن سكن فهو جاء على نفقته (يتطفل على صديق فيصرفه، وبالمثل مع أحد المعارف، حتى يختار غرفة فندق شعبي بـ 25 قرشًا في الليلة وتتوالى المغامرات). «النيل والحياة»، لم يرضَ عنه المسؤولون السوفييت وقبلهم المصريون، «يسيء إلى الشعب المصري العريق إساءة بالغة، فهو يصوره جاهلًا أحمق متخلفًا أشد التخلف، بعيدًا عن الحضارة والتقدم بل ومعاديها، مغلوبًا على أمره، تحكمه البيروقراطية والهمجية والتعصب والدعارة والفوضى والعادات المتخلفة وتعلقه بالأجنبي»*، فاضطر شاهين إلى العمل على نسخة أخرى؛ «الناس والنيل» (1972)، واعتبر العمل المغضوب عليه جزءًا من أرشيفه (سيودعه في السينماتيك الفرنسي وهي النسخة التي عُرضت في «زاوية»). أما «نجمة أغسطس» فكتبها صنع الله خلال منحة لدراسة السينما في الاتحاد السوفيتي، ويعود فيها إلى ملحمة بناء السد بعد عمل سابق، «إنسان السد العالي» (مع كمال القلش ورؤوف مسعد) الذي لم يكن راضيًا عنه. الزيارة، تحدث في أغسطس، والأحداث تدور فيه لتزامن هذا التوقيت مع الفيضان حتى يختبر كيف يتعامل بناة السد مع هذا التهديد. توقيت مثالي، لكنه قاتل فصيف أسوان جحيم، وهو ما ينعكس على شخصيات الفيلم التي تبحث عن الثلج، بل يتفجر خلافٌ بين زوجين روس لأن الزوجة لم تبرد ماءً ولا أعدّت ثلجًا، لكن هناك طبقات خفية أدت لتفجّر الموقف، فهي قدمت تضحيات كبيرة؛ تركت عملها في موسكو حتى ترافقه، فصارت بلا شغلة ولا مشغلة (إلا تبريد المياه وإعداد الثلج) وهذا جحيم آخر لا يمكنها احتماله مع لهيب الجو. في حين تتحدث شخصيات الرواية عن غياب النساء المصريات اللاتي لا يظهرن إلا كمدرسات في أثناء العام الدراسي. المرأة السوفيتية على الشاشة غاضبة لأنها لا تعمل في بناء السد، بينما نظيرتها المصرية غائبة تمامًا على الورق (المصريات في الفيلم هن زوجات وبنات مهندسي ومسؤولي المشروع). يرد في «نجمة أغسطس» ذكر لتهجير آلاف من النوبة، كمعلومة لا يُبنى عليها، بينما الحضور النوبي عند شاهين مختلف، مشاهد النوبة -الغارقة- ساحرة وربما تكون آخر مشاهد أصلية لها قبل التهجير، كما أن خيط الفيلم الرئيسي أوله حين يقفز نوبي وروسي للسباحة في مجرى النيل القديم. يغامران، رغم جدية المشروع التاريخي، بتحويل اللحظة التاريخية (1964) إلى فرصة للسباحة، يلبيان رغبة داخلية بأن يكون كل واحد منهما آخر من يعوم في النيل القديم، بدلًا من تأمّل الإنجاز وصناعة المستقبل الجديد. كما نرى اعتراضات نوبية على التهجير، يرفض أحد النوبيين مغادرة بيته، بل يتعجب لماذا لم تنقل الحكومة بيوتهم مثل «أبي سمبل»، بل يقول إن النوبة أقدم من مصر، (خمسة آلاف سنة) هذه النبرة تتحول إلى سردية ساخرة، تضحكنا لكنها لا تخلو من انتقاد، بل تبدو نشازًا في بروباجاندا سوفيتية مصرية. بخلاف سباحة النوبي مع الروسي هناك خيوط أخرى، منها شخصية عامل يؤديها صلاح ذو الفقار، والذي يبدو متعلمًا، بل يتعامل معه أحد ملاحظي العمال كعين لرئاسة الجمهورية، فيخبره برسائل حتى يبلغها لناصر، ثم يتكشف هذا الخيط عن مفاجأة من نوع آخر، فهو ليس عنصرًا أمنيًا متنكرًا بل كاتب تقدمي مُعارض للاستعمار (يبدو للوهلة الأولى كتقاطع مع راوي نجمة أغسطس فهو صحفي حاليًا ومُعتقل سابقًا) يأمره طبيب نفسي في «فلاشباك» بجدية مضحكة بضرورة التوقف عن الكتابة تمامًا حتى يُشفى، بل عليه التحوّل من النضال والسياسة إلى ممارسة حرفة يدوية، فاستجاب ذو الفقار للنصيحة بالعمل في تفجير الصخر حتى يحقق معجزة تحويل النهر وتوليد الكهرباء والتحكم في الفيضان، كأنها رسالة للمعارضين اعملوا في السد حتى ترتاحوا من القلق والفكر ووجع القلب، ورغم ذلك مُنع الفيلم. أما «نجمة أغسطس» فيقول مؤلفها أنها كُتبت مثل شكل السد العالي، مقسمة لثلاث كما مراحل البناء، الوسطى منها رُصت كسبيكة واحدة دون تقسيمها لفقرات أو فصول، حتى تشابه النواة الصلبة للسد (صخر حُقن بطمي ورمال)، وآخرها فصوله معكوسة من 4 إلى 1، لتكمل شكل السد. لكن ما علينا من تصورات الفنان عن شغله، فشاهين يعتبر المرحلة التي قدم فيها فيلميه عن النيل، المرفوض والمقبول، و«الناصر» هي «صحوته»، كما يخبرنا برنامج «إيه العمل في الوقت دا يا صديق؟» الذي يشتبك مع أرشيفه بذكاء وحساسية دون تقديس، لكن ما يبقى هو انطباعنا الذي يتعمّق مع كل مشاهدة أو قراءة. *تقرير اعتدال ممتاز بتاريخ 14 أكتوبر 1968 عنه، المنشور في كتابها «مذكرات رقيبة سينما 30 عامًا»The post نيل شاهين ونجمة صنع الله first appeared on Mada Masr.