.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
بعد 4 سنوات من قيادة مكتب تمثيل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في لبنان، تختتم نورة أورابح حداد مهمتها، في أعقاب مرحلة اتسمت بتعزيز الشراكات، ودعم المؤسسات الوطنية، ومساندة المزارعين والمزارعات، والصيادين والصيادات، ومربي ومربيات الثروة الحيوانية، والعمل نحو نظم زراعية وغذائية أكثر استدامة وقدرة على الصمود.كانت هذه السنوات بالغة الصعوبة بالنسبة إلى لبنان الذي واجه أزمات اقتصادية ومالية متلاحقة، إلى جانب النزاعات والضغوط المناخية، وما أنتجته من تداعيات مباشرة على الزراعة والأمن الغذائي وسبل عيش آلاف الأسر في المناطق الريفية والساحلية.
خلال هذه المرحلة، عززت "الفاو" دورها كشريك للبنان في مواجهة الأزمات، وساهمت في وضع الزراعة والأمن الغذائي ضمن الأولويات الوطنية. وترى حداد أن أهمية هذين المجالين تتجاوز البعد الاقتصادي، فهما ركيزتان للحياة والكرامة الإنسانية، ولصمود المجتمعات الريفية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
عشية مغادرتها، خصت حداد "النهار" بحديث عن أبرز ما حققته "الفاو" مع المجتمع المحلي، فأكدت أن "الارتقاء بالشراكة مع الحكومة اللبنانية، ولا سيما وزارة الزراعة، من أبرز ما تحقق خلال المهمة. فقد اتجه العمل نحو مقاربة أكثر استراتيجية وتكاملا تجمع بين دعم السياسات والمؤسسات، وإنتاج البيانات، والاستجابة للأزمات، وتنفيذ تدخلات مباشرة لحماية سبل عيش المنتجين وتعزيز قدرتهم على الصمود".
وشكل إطار البرمجة القطرية لـ"الفاو" للفترة 2023–2027 المرجعية الأساسية لهذه الشراكة، من خلال ثلاث أولويات مترابطة: تطوير سلاسل القيمة الزراعية والغذائية المستدامة لتعزيز الأمن الغذائي والتغذية، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والبيئة في ظل تغير المناخ، وتعزيز قدرة الجهات الفاعلة في القطاع على الصمود عبر الربط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام.
وأتاح هذا النهج الجمع بين الاستجابة للحاجات العاجلة والاستثمار في التحول الطويل الأمد، بحيث لا تقتصر الجهود على معالجة الأزمات، بل تسهم أيضا في بناء قدرات مؤسسية وإنتاجية تساعد القطاع على مواجهة التحديات المستقبلية.
من الإنجازات التي تضعها حداد في مقدم أولويات المرحلة، دعم إعداد الإستراتيجية الوطنية للزراعة 2026–2035، ومساندة مسار التحديث وإصلاح وزارة الزراعة، وإنشاء السجل الوطني للمزارعين والمزارعات، والتحضير للتعداد الزراعي الشامل.
كذلك شمل العمل تطوير الإطار القانوني لقطاعَي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ودعم الإدارة المستدامة للغابات والموارد الطبيعية.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة لأنها تمثل استثمارات مؤسسية تتجاوز عمر المشاريع ودورات التمويل، وتوفر أساسا أفضل للتخطيط وصنع القرار واستهداف البرامج والخدمات، بما يمكن أن يخدم الأجيال المقبلة من العاملين في القطاع الزراعي والغذائي.
على المستوى الميداني، ركزت حداد من خلال "الفاو" على دعم النساء والرجال في المجتمعات الريفية، ومساعدتهم على الإنتاج والاستمرار رغم الظروف الصعبة. وحظي التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية باهتمام خاص، إلى جانب دعم التعاونيات والمنظمات الزراعية وتحسين فرص الإنتاج والوصول إلى الأسواق.
كذلك ساهمت برامج استصلاح الأراضي وإدارة المياه في حماية سبل العيش الزراعية وتحسين الإنتاجية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية. وفي قطاع الثروة الحيوانية، ساعدت التدخلات على حماية القطعان والأصول الإنتاجية للأسر الريفية، فيما امتد الدعم إلى الصيادين والصيادات وجمعيات مستخدمي المياه والتعاونيات الزراعية.
وتبقى قصص المستفيدين، بالنسبة إلى حداد، من أبرز مؤشرات أثر هذه الجهود. ومن القصص التي تركت أثرا لديها قصة مزارعة أفادت من دعم "الفاو" في تربية الدواجن. فالمشروع لم يساعدها فقط على تحسين دخل أسرتها، بل أعاد إليها شعورها بالكرامة والقدرة على الاعتماد على نفسها وضمان مستقبل أفضل لأطفالها.
وترى حداد أن مثل هذه القصص تظهر أن نتائج العمل لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تحدثه من تغيير في حياة الناس وتعزيز قدرتهم على الاستمرار والأمل.
كان إنتاج البيانات والدراسات والتقييمات أحد الملفات الرئيسية خلال السنوات الأربع. ففي بلد يواجه أزمات متكررة، تشكل المعلومات الدقيقة أساسا للاستجابة والتخطيط وتحديد الأولويات وتوجيه الموارد إلى المناطق والفئات الأكثر حاجة.
وبالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية وشركائها، أجرت "الفاو" تقييما للحاجات والأضرار والخسائر في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك والغابات. وقدّر تقييم عام 2024 الأضرار والخسائر الإجمالية بنحو 704 ملايين دولار أميركي.
وأظهرت التقييمات السريعة لعام 2026 تضرر ما بين 52 ألفا و56 ألف هكتار، ونحو 1,600مزرعة، إضافة إلى نزوح أعداد كبيرة من المزارعين والمزارعات وتعذر وصول كثيرين منهم إلى أراضيهم.
وتحولت هذه البيانات إلى أدوات عملية لتحديد الحاجات وتوجيه الاستجابة الطارئة وبرامج التعافي وتعبئة الموارد للمجتمعات الزراعية الأكثر تضررا. وفي هذا السياق، أطلقت "الفاو" خطة الطوارئ والصمود 2026–2028، بهدف حماية سبل العيش الزراعية واستعادتها، ودعم تعافي النظم الزراعية والغذائية وتعزيز الأمن الغذائي في المناطق المتضررة.
ترى حداد أن من أهم ما تحقق خلال مهمتها قدرة "الفاو" على الوقوف إلى جانب النساء والرجال الذين يساهمون في إنتاج الغذاء في لبنان، خصوصا خلال أصعب الظروف.
فلم يقتصر العمل على الاستجابة الطارئة، بل سعى إلى تعزيز قدرة المجتمعات على التعافي والاستمرار، وربط العمل الإنساني بالمسار التنموي وبناء السلام، بما يساعد على منع الأزمات المتكررة من التحول إلى عائق دائم أمام تطور القطاع.وتؤكد حداد أن قيمة الشراكات والموارد تظهر عندما تتحول إلى نتائج ملموسة تحمي الإنتاج وسبل العيش، وتوفر فرصا أفضل للنساء والشباب والتعاونيات، وتدعم بناء قطاع زراعي وغذائي أكثر استدامة وصمودا.
في ختام مهمتها، توجه حداد الشكر إلى وزارة الزراعة والمؤسسات الوطنية والبلديات والجامعات ومراكز البحوث ومنظمات المنتجين والتعاونيات والقطاع الخاص ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والوطنية، إضافة إلى المانحين الدوليين الذين ساهم دعمهم في تحويل التضامن الدولي إلى مساعدات ملموسة وصلت إلى المجتمعات الزراعية والريفية والساحلية.كذلك توجه رسالة تقدير خاصة إلى المزارعين والمزارعات، والصيادين والصيادات، ومربي ومربيات الثروة الحيوانية، الذين حافظوا على إنتاج الغذاء وحيوية مجتمعاتهم رغم الأزمات الاقتصادية والنزاعات والضغوط المناخية.وتلاحظ أن هؤلاء ليسوا مجرد مستفيدين من البرامج، بل هم شركاء أساسيون في صياغة الحلول وبناء نظم زراعية وغذائية أكثر صمودا وعدلا واستدامة. ولذلك تدعو إلى مواصلة دعم التعاونيات والتنظيمات المهنية، والاستفادة من المعرفة والتكنولوجيا والابتكار والممارسات المستدامة.
تغادر حداد لبنان حاملة امتنانا عميقا للثقة والتعاون اللذين رافقا مهمتها، وإعجابا كبيرا بما أظهره الناس الذين التقتهم من كرامة ومثابرة وشجاعة.