نموذج المدرسة السعودية الرقمية الذكية 2030 – أسامة الفريح التميمي

يشهد قطاع التعليم في المملكة العربية السعودية تحولاً جذرياً تماشياً مع رؤية 2030، حيث لم يعد نموذج المدرسة الرقمية الذكية ضمن بيئات الأتمتة، والتعليم الإلكتروني، والتعلم عند بعد ضمن تقنيات التحول الرقمي خياراً بل ضرورة استراتيجية لأي مؤسسة تعليمية تطمح للتميز. حيث يشمل هذا التحول أتمتة كافة العمليات التعليمية والإدارية والفنية لتوفير بيئة تعليمية تفاعلية بالمفهوم المستقل كلياً عن المنظومة الفيزيائية (أي مدرسة افتراضية بالكامل دون فصول ومبانٍ).

فالمدارس الرقمية الذكية ليست مجرد فصول مزودة بشاشات ذكية وأجهزة تقنية، بل هي بيئات تعلم متكاملة تعيد تعريف دور الإدارة المدرسية والمعلم والطالب لتعمل كمنظومة وفق نموذج يقوم على تطبيق مفهوم (Digital School)، كمدرسة افتراضية متكاملة تعمل بصورة رقمية بالكامل، ومستقلة كليًا عن البيئة المدرسية الفيزيائية التقليدية.

ولا يعتمد النموذج المقترح على وجود مبانٍ مدرسية أو فصول دراسية فعلية، بل تتم جميع العمليات التعليمية والإدارية إلكترونيًا من خلال منصة رقمية ذكية، تشمل حضور الحصص الافتراضية، والتفاعل بين الطلاب والمعلمين، والاختبارات، والواجبات، والتقييم، والمتابعة الأكاديمية. وبالتالي يهدف النموذج إلى تقديم تجربة تعليمية مرنة ومبتكرة تتوافق مع توجهات رؤية السعودية 2030 نحو التحول الرقمي وتطوير مستقبل التعليم.

ويعتمد نموذج المدرسة السعودية الرقمية الذكية على عدة مكونات تشكل قوام المدرسة الافتراضية الكاملة وهي: (فصول افتراضية مباشرة، منصة تعليم إلكترونية متكاملة، حضور وغياب إلكتروني، واجبات واختبارات رقمية، مكتبة رقمية، متابعة أكاديمية ذكية، تواصل إلكتروني بين الطلاب والمعلمين، واستخدام الذكاء الاصطناعي في دعم التعلم والتقييم).

وأما آلية العمل ضمن نموذج المدرسة السعودية الرقمية الذكية، فهي تبدأ بدخول الطالب إلى المنصة باستخدام حسابه الشخصي، ومن ثم يحضر الحصص الافتراضية، ويتفاعل مع المعلمين والطلاب، ويرفع الواجبات، ويؤدي الاختبارات، ويتابع مستواه الأكاديمي بشكل إلكتروني كامل. ويتميز النموذج بمرونة تامة في التعليم، ويقلل الاعتماد على المنشآت التقليدية، ويسهل الوصول إلى التعليم من مختلف المناطق، كما يدعم استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية. حيث يمكن تمثيل المدرسة على شكل منصة رقمية مركزية يتفرع منها: (الفصول الافتراضية - المعلمون - الطلاب - الاختبارات - المكتبة - الإدارة - الذكاء الاصطناعي - المتابعة الأكاديمية).

ولأن فكرة المشروع تتجاوز مجرد استخدام منصة إلكترونية إلى مدرسة مستقلة افتراضيًا بالكامل، فيمكننا التفريق بين منطلقات النموذج وبين التجارب السابقة التي يستند إليها؛ حيث ينطلق نموذج المدرسة السعودية الرقمية الذكية 2030(Digital School) من مجموعة من المرتكزات الرئيسة وهي:

أولاً: التحول الرقمي ورؤية السعودية 2030، حيث يتوافق النموذج مع توجه المملكة نحو التحول الرقمي وبناء مجتمع واقتصاد قائم على التقنية، ومع مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية التي تؤكد توفير تعليم عالي الجودة ومرن ومتاح للجميع وتنمية المهارات الرقمية ومهارات المستقبل.

ثانياً: إتاحة التعليم من أي مكان، حيث يقوم النموذج على إزالة الارتباط بالموقع الجغرافي للمدرسة، بحيث يستطيع الطالب الحصول على التعليم من منزله أو من أي منطقة داخل المملكة، وهو ما يدعم خصوصًا الطلاب في المناطق النائية أو من يصعب عليهم الوصول إلى المدارس التقليدية. وهذا التوجه موجود بالفعل ضمن مبادرات وزارة التعليم لتطوير التعليم في المناطق النائية، والتي تتضمن إطلاق مدرسة مركزية افتراضية على منصة مدرستي والاستفادة من المعلمين المتميزين لتقديم التعليم عن بُعد.

ثالثاً: التعليم المرن والمتمركز حول الطالب، حيث يعتمد النموذج على الجمع بين: التعليم المباشر المتزامن، والتعلم غير المتزامن. وبين المحتوى الرقمي المسجل، وبين التعلم الذاتي، وبين المسارات التعليمية التي تراعي مستوى واحتياجات كل طالب. وتتوافق هذه المبادئ مع معايير المركز الوطني للتعليم الإلكتروني التي تؤكد المرونة، والتفاعل، والتعلم الذاتي، وتصميم التجربة التعليمية حول احتياجات المتعلم.

رابعاً: توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات، حيث يستخدم النموذج الذكاء الاصطناعي في تحليل مستوى الطالب، وتقديم محتوى مناسب له، ومساعدة المعلم في المتابعة والتقييم، مع وجود لوحات بيانات لمتابعة الحضور والتحصيل والتقدم الأكاديمي. كما تؤكد المعايير الوطنية الحديثة أهمية تحليل البيانات التعليمية وحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم الإلكتروني.

خامساً: الكفاءة والاستدامة، حيث يسعى النموذج إلى تقليل الاعتماد على إنشاء وتشغيل المباني المدرسية التقليدية والاستفادة بصورة أكبر من الموارد البشرية والتقنية، مع إمكانية خدمة طلاب من مناطق مختلفة من خلال المدرسة الرقمية نفسها.

سادساً: استمرارية التعليم، حيث يوفر النموذج منظومة تعليمية قادرة على الاستمرار في الظروف المختلفة مثل الأزمات الصحية أو الظروف المناخية أو صعوبة الوصول إلى المدارس، دون توقف العملية التعليمية.

ولا شك أن هناك عدد من التجارب المحلية في المملكة نحو التعليم الرقمي وخاصة منها منصة مدرستي، والتي تعد أهم تجربة سعودية يمكن البناء عليها؛ إذ وفرت الفصول الافتراضية والدروس والواجبات والاختبارات والمصادر التعليمية والتفاعل بين الطالب والمعلم، ووصلت إلى ملايين الطلاب والمعلمين. ولكن منصة مدرستي تمثل البنية الرقمية التي أثبتت إمكانية تقديم التعليم على نطاق واسع، بينما يتقدم نموذج المدرسة السعودية الرقمية الذكية خطوة إضافية ليكون المدرسة نفسها رقمية بالكامل وليست منصة مساندة لمدرسة تقليدية.

ومن التجارب المحلية المدرسة الافتراضية السعودية، حيث سبق لوزارة التعليم تطبيق مبادرة باسم المدرسة الافتراضية بهدف توفير التعليم في المناطق النائية والاستفادة من المعلمين المتميزين وتقديم المناهج والدروس إلكترونيًا. كما تتضمن المبادرات الحالية للوزارة تطوير مدرسة مركزية افتراضية لدعم الطلاب في المناطق النائية. وهناك من التجارب المحلية أيضاً الروضة الافتراضية، حيث طبقت المملكة نموذجًا رقميًا لمرحلة الطفولة المبكرة من خلال الروضة الافتراضية، التي قدمت المحتوى والتعلم الذاتي للأطفال عن بُعد تحت إشراف الأسرة.