لا أُبالغُ إن قلتُ إن الشاعر نمر سعدي شاعر إشراقات بالروح وبالمفردة وبالمعنى، وتشبه علاقته بفلسطين شجرة (الأوكالبتوس) التي تشتمُّ رائحة الماء من بُعد، فتتعقب الندى، وتتجذّر وتخضرّ، لتغدو في الصباحات مسرحاً لسمفونية العصافير، وبالليل ملاذاً لبلابل الحنين والشجن. له حظوة عربية كبيرة، كونه مسكوناً بنصّه، ومفتوناً باقتناص اللحظات التي يُصغي فيها لصوته، وفي حوارنا شواهد على المقدمة، فإلى نصّ الحوار..• من أيِّ قمةٍ أو سفحٍ أو وادٍ انفجرت عيون ومنابع الشعر الفلسطيني؟•• تستمد القصيدة الفلسطينية قوتها وخصوصيتها من منابع غنيّة تجمع بين المأساة التاريخية، والارتباط بالأرض، والانفتاح على الثقافة الإنسانية الممتدة. للأرض والهوية (البيئة المحلية) والمفردات الطبيعية حضور دائم في سائر الشعر الفلسطيني، ولعناصر الأرض مثل الزيتون، والبرتقال، والزعتر، والصبار، ويأتي تخليد أسماء المدن والقرى (القدس، حيفا، يافا، الجليل) كرموز للهوية. ويبرز التراث الشعبي والفلكلور والأغاني والاتكاء على ألحان الزجل، والموال، والعتابا، والترويدات التراثية والحكايات الشعبية، واستدعاء القصص المأثورة والأمثال لتعزيز الارتباط بالجذور. وتتجلَّى المواسم عبر توظيف طقوس الحصاد ومواسم الفرح لتوثيق الوجود التاريخي.• ما هي السِّمة الأكثر حضوراً في القصائد الفلسطينية؟•• يتسم الشعر الفلسطيني بالنضال الأممي والإنساني والتأثر بحركات التحرر في فيتنام، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية. وتتجلى الكونية فيه من خلال تحويل القضية من شأن محلي إلى رمز إنساني عالمي للعدالة والحرية، ولا نغفل التثاقف والانفتاح الأدبي على الشعر العربي الحديث والتأثر بحركة التجديد والشعر الحر (بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، نازك الملائكة). والتأثر بالأدب العالمي عبر ترجمة الآداب العالمية والتأثر بشعراء الحرية في العالم مثل (لوركا، بابلو نيرودا، وناظم حكمت)، إذ استطاع محمود درويش نقل القصيدة الفلسطينية إلى أفق عالمي.• بماذا تفسّر حضور الرمز الديني والمقدس في نصّك؟•• تحفل قصيدتي في مواضع كثيرة بالرموز الدينية واستلهام المقدَّس، وقصص الأنبياء والتاريخ العربي والإنساني، واستحضار شخصيات تاريخية ورموز التضحية والبطولة. ويبرز استخدام الأسطورة في دمج الأساطير الكنعانية واليونانية (مثل تموز، وعناة، وطائر الفنيق) رموزاً للبعث والولادة من جديد.• هل من تحقيب زمني لتجربتك الشعرية وللمراحل التي مرَّت بها بحيث يمكن للنقد أن يرى امتدادك المرحلي؟•• تتلخص مراحل التجربة الشعرية في رحلة صعود واعية ونضج فني مستمر، انتقل خلالها من البدايات التجريبية المباشرة إلى آفاق فلسفية ووجودية مركبة، ويصف النقاد مسيرتي بأنها «انقلاب جمالي» متواصل، إذ تمثّل كل مجموعة مرحلة جديدة تتجاوز ما قبلها، ويمكن تقسيم مسيرتي الشعرية الممتدة منذ أواخر التسعينيات إلى ثلاث مراحل أساسية: مرحلة البدايات والتأسيس التجريبي (أواخر التسعينيات - 2005)، وتميّزت بالانطلاق الصحفي، إذ بدأت كتاباتي تظهر للنور عبر نشر القصائد وبواكير أعمالي في الصحف المحلية مثل «الاتحاد»، الصادرة في حيفا، و«كل العرب»، و«الأخبار» الصادرتين في الناصرة. وتُعدّ مجموعتي الأولى «عذابات وضاح آخر»، الصادرة عام 2005، حدثاً شخصياً وشعرياً كونها خطوة تجريبية أولى في المشهد الشعري. وتلتها مرحلة اتساع الرؤية والتمكين الفني (2006 - 2020)، وصدرت مجموعات «كأني سواي»، و«موسيقى مرئية»، و«يوتوبيا أنثى»، وقامت على ثنائية المرأة والوطن، واتسعت الرؤية الشعرية وتعمقت الجماليات، وتحولت «الأنثى» في نصوصي إلى رمز وقناع يخفي خلفه قضية الوطن وفلسطين. ثم مرحلة النضج الفلسفي والعمق الوجودي وبدايات التأمل (ما بعد 2020)، وخلالها صدرت «وصايا العاشق»، و«نساءٌ يرتبن فوضى النهار»، و«ساعي بريد اللهفة»، و«سراب التباريح»، مبتعداً في هذه المرحلة تماماً عن التعبير اليومي المباشر، ومتجهاً نحو الرمزية والميتافيزيقا. وتحوّلت العاطفة الغرامية واللوعة (التباريح) إلى تساؤلات وجودية تبحث في الغياب والفناء والمعنى. ومن خلال الانفتاح على المكتبة الكونية والتناص الإنساني، أصبح نصي يتجاوز المحلية إلى الفضاء الإنساني الشامل عبر استدعاء وتوظيف أقنعة تاريخية وأسطورية ورموز عالمية، وتشكّل فيها مساري بالتحوّل نحو تكثيف الغموض الفني الواعي، وتقديم لغة وجدانية سائلة تدمج بين مآسي الواقع المعاصر وأصالة التراث، كما ظهر في «ظلال مضاعفة بالعناقات» (2024).• ما رأيك بنظرية الآباء الشعريين؟ ومَنْ هم آباؤك؟•• الآباء الشعريون الأبرز الذين قادوني إلى عالم الشعر وتأثرت بتجاربهم: المتنبي، وأبو تمام، وأحمد شوقي، والجواهري، وعبد الوهاب البياتي، والسياب، ومحمود درويش. والشاعر السعودي الراحل علي الدميني هو «أحد أجمل آبائي الشعريين». تأثرت بتجربته الشعرية وبصوته النقي منذ قراءتي لشهادته «لستُ وصيَّاً على أحد» عام 2001، ووصفته حينها بأنه من الأفذاذ الذين احتفظت قصائدهم بالجمال الصرف والمجاز الصافي. ومحمود درويش شاعر فذ بكل المقاييس ولن يتكرَّر. وأنا أنتمي إليه بصفته الأب الروحي الأبرز لقصيدة الجمال والحب والحنين واللهفة وحب الوطن والقصيدة الفلسطينية الحديثة. وتأثرت منذ صغري بالتراث العربي القديم.• متى استشعرت نواة قصيدتك في داخلك؟ ومن رعى النبتة لتغدو حقلاً؟•• في طفولتي، كانت الطبيعة كتابي المفتوح، ديواني الشعري الأوَّل، مزاميري الأرضية والسماوية. قرأت عشرات الدواوين الشعريَّة، وارتميتُ بين أحضانها مدفوعاً بحنين رعوي طفولي. عرفتُ المتنبي وأبا تمَّام في صيف عام 1989. قرأت أحمد شوقي المذهل بهذه الطريقة، طريقة تصوير الدواوين والكتب التي أستعيرها من المكتبات العامة والمدرسية: «مصرع كليوبترا»، و«مجنون ليلى»، و«قمبيز»، و«معلَّقة الشنفرى»، والشعراء الجاهليِّين والصعاليك، والأدب الأموي والعباسي، وبعض الأدب الأندلسي، والشعر العربي الحديث، وبعض روايات جرجي زيدان، وسيرة عنترة بن شدَّاد.• هل بدأتُ شاعراً رعويًّا؟•• أغلبُ الظن أن الطبيعة الرعويَّة المحيطة أثّرت كثيراً في قراءاتي الأولى. وأتذكَّر أن أول قصيدة كتبتها كانت عن الطبيعةِ أو تجليَّاتها في الحبِّ أو المعشوقة أو في تمجيد الحنين واللهفة.• إصدارك الأول (عذابات وضاح آخر) رأى النور في 2005، ألا ترى أنه سبق وقته؟•• قبل ذلك كتبت كثيراً من الأوراق تكفي لمجموعات، ربما سبعاً أو أكثر على مدار عشرة أعوام، إلا أنني احتفظت بالقليل وأتلفت أغلب قصائد المرحلة ما قبلها لضعفها وتقليديتها. ديوان «نقوش على جناح نورسة زرقاء» وديوان «أزهار أولى» كتبتهما قبل «عذابات وضاح آخر» الذي كان عنوانه من قبل «حدائق سريالية لوضاح اليمن».• لمن أهديتَ العمل الأول؟•• لا أتذكَّر أنني أهديته لأحد.. كإهداء مضمر.. ربما أهديته لنفسي. كانت مجموعة من القصائد المتشابكة والتي تؤلف قصيدة طويلة، كنت متأثراً بكتابتها بالمطوَّلات المرقَّمة، وبديوان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي «نصوص شرقيَّة»، وببعض دواوين وقصائد الشاعر اللبناني المبدع محمد علي شمس الدين، وأصدرت «عذابات وضَّاح آخر» و«يوتوبيا أنثى» عام 2005 في مطبعة فينوس في الناصرة بطبعة محدودة النسخ – حوالى 350 نسخة – متواضعة الغلاف. كان «يوتوبيا أنثى» أنضج وأعمق وأكثف شعريَّا، فيه اختلاف واضح وتحليق شعري، وتذويب لقراءات متنوعة وتجارب شعرية كثيرة مترجمة وغير مترجمة، عربية وأجنبية، لا يتسع المجال لذكرها.• ماذا عن القدرة على التخلّص من الآباء؟•• «عذابات وضَّاح آخر» كان عبارة عن تجربة تأثرت فيها إلى حدٍّ ما بمجموعة البيَّاتي الأخير «نصوص شرقيَّة»، كتبته على شكل قصيدة طويلة مكونة من قصائد صغيرة ومقطوعات مرقَّمة على أوزان وبحور شتَّى تحيل إلى طريقة بعض الشعراء الإنجليز، ومنهم (شكسبير). وصف الشاعر الفلسطيني (طه محمد علي) المجموعة في حديث بيننا إثر إهدائها له بأنها تحمل أنفاس كاتبها، وفيها بصمة شخصية مهمَّة جداً، ولفتت نظر الشاعر سميح القاسم. والكاتب القصصي والروائي سهيل كيوان كتب عنها وعن «يوتوبيا أنثى» مقالاً نقدياً في مطلع يوليو عام 2005 في الملحق الثقافي لصحيفة «كل العرب» الصادرة في الناصرة.• ألا ترى أنك محظوظ على مستوى النشر والانتشار عربيّاً، وكذلك العناية بتجربتك نقدياً؟•• ربما.. إلا أنني أشعر وكأنني ما زلت شاعراً مغموراً وغير معروف عربياً وفي داخل فلسطين. لست نجماً مشعاً على المنصات الأدبية، ولكن منذ أعوام عدة جمعتني صداقات بشعراء عرب كبار وكتَّاب وروائيين محترفين ومتألقين، منهم علي الدميني، وحسن الزهراني، وجمال الغيطاني، ومحمد علي شمس الدين، وسميح القاسم، ونزيه خير، وطه محمد علي، وحسين مهنا، وأحمد حسين، وجميل داري، وجميل الدويهي وغيرهم.• إلامَ تُرجع هذه العناية؟•• إلى محبة الشعراء والنقاد العرب الكبار والحقيقيين لتجربتي المتواضعة.. وأنا مدين لهذا الحب بالكثير..• ماذا عن مشروعك في الكتابة؟ وهل زمَّنته؟•• يقوم مشروعي الشعري على المزاوجة الفنية الفريدة والتعددية الجمالية بين ثلاثة أشكال شعرية هي: القصيدة العمودية، وشعر التفعيلة، وقصيدة النثر. ويتسم بالانتقال الوجداني من «منفى داخلي» يعكس مأساة الداخل الفلسطيني، متكئاً على «مكتبة كونية» من الرموز الأسطورية والتناص الصوفي والتراثي. ويمكن تتبع محطات المشروع الشعري (الذي أثمر إلى الآن أكثر من ثلاثة عشر ديواناً شعرياً).• ما رأيك بانحياز الشاعر سياسياً؟ وكيف ترى تأثير الأدلجة على الفنّ؟•• لستُ شاعراً سياسياً أبداً، والسياسة لا تهمني في الكتابة.. وقصيدتي بعيدة عن الأيديولوجيا.• هل نجوت من الأدلجة والتسييس؟•• أنا أكتب خوالج نفسي، ولا أخضع لأفكار مسبقة.. قصيدتي هي أنا، وأنا هي قصيدتي.• هل يعد الانتماء لفكرة أو نظريَّة أو حزب امتيازاً للشعراء؟•• لا أعتقد.. ربما يبقى الصدق الفني هو رأس مال الشاعر.• ماذا عن الكتابة في ظل شروط المكان؟•• هناك أمكنة أرتاح لها وتتفتح فيها قريحتي الشعرية وأستعيد ذاكرتي الجمالية ولو كانت وسط الضجيج والزحام.. وأمكنة لا أستطيع الكتابة فيها حتى ولو حرفاً واحداً... ولا أعرف السبب.• من خلَف محمود درويش من الشعراء؟•• عندما مات نزار قباني، سأل صحفي عريق الشاعر الصديق سميح القاسم في حوار تلفزيوني: من خليفة نزار قباني؟ فأجاب سميح: لا خلافة في الشعر.. أنا خليفة نفسي.. أعجبني قول سميح حينذاك، ومنذ تلك اللحظة وأنا أتبنَّى مقولة سميح، لا أؤمن بمسألة الخلافة الشعريَّة. أنا شاعر لا أشبه غيري من الشعراء وإن اتهمني آخرون بتقمص نبرة هذا الشاعر أو ذاك. لدينا محمود درويش واحد أسس لمدرسة شعرية عربية وعالمية، مخلفاً وراءه إرثاً ضخماً وتأثيراً امتد عبر أجيال من الشعراء. ورغم عدم وجود «خليفة» واحد متوج، إلا أن مدرسة درويش الشعرية واللغوية أثرت في مسار الشعر العربي الحديث، واستلهم نهجه العديد من الشعراء البارزين. برأيي ليس هناك شاعر أو كاتب يحبُّ تفوق الآخر وإن أبدى عكس ذلك.. فهذه المهنة موبوءة ومحفوفة بالغيرة والمكائد والدسائس والنميمة والرياء. والأنا المتضخمة عند البعض تظن أن نجاح أي شاعر أو كاتب إبداعياً وانطلاقه في العالم العربي إنما هو تهديد لوجودهم الشعري، بينما الفضاءات واسعة وتتسع للجميع.• متى فكّرت بترك الشِّعر؟•• كنت كلما فكرت بمسألة ترك الشعر تدهمني فكرة: بماذا سأشغل روحي؟ حتى محاولات البحث عن الحب في هذا الزمن محكومة بالفشل والإخفاق. حتى المرأة تحوّلت إلى كائن مادي بارد.. محايد كزهرة اصطناعية.. المتنبي شاعر حكيم وقد صدق في كل ما قاله عن البشر وطباعهم.• ما أثر التمترس وراء القضية في سبيل تسويق الشعريَّة؟•• القيمة الجمالية للشاعر هي ما يبقى في النهاية ولو تمترست القصيدة خلف ألف قضية وقناع.• ما تقييمك للشعر العربي اليوم؟ وما الذي أضافته أو أضفته المسابقات والجوائز عليه وإليه؟•• يشهد الشعر العربي اليوم حالة من الحيوية والتطور المستمر، إذ يتأرجح بين الحفاظ على الأصالة والاندفاع نحو الحداثة، بينما تلعب الجوائز الأدبية دوراً محورياً في توجيهه وتشكيل مشهده. وأسهمت منصات التواصل الاجتماعي في خلق جيل جديد من الشعراء، وكسرت احتكار منابر النشر التقليدية، رغم وجود أزمة تلقي ورغم كثرة الإنتاج الشعري، إلا أن هناك فجوة وتراجعاً في الإقبال على دواوين الشعر مقارنة بالرواية.• ماذا عن أثر الجوائز على النصوص الخطابية؟•• تمثل الجوائز الأدبية، ومنها (جائزة الأمير عبدالله الفيصل، وأمير الشعراء، وجائزة الشيخ زايد، وغيرها)، محركاً أساسياً للمشهد، ولها تأثيرات مزدوجة: التأثيرات الإيجابية (المكاسب)، الدعم المالي: توفر استقراراً مادياً للشعراء يساعدهم على التفرغ للإبداع. والضوء الإعلامي: تخرج الشاعر من العزلة وتسلط عليه الأضواء والاهتمام النقدي. تنشيط الحركة النقدية: تدفع الجوائز النقاد والمؤسسات إلى قراءة ومراجعة النتاج الشعري المعاصر. وإعادة الاعتبار للشعر: تسهم في إبقاء الشعر حاضراً في الوعي الثقافي العربي أمام طغيان الرواية. ومن التأثيرات السلبية (المخاوف): الكتابة على مقاس اللجان: توقع بعض الشعراء في فخ تلبية ذائقة لجان التحكيم للفوز، مما يضعف العفوية والتجريب. النمطية والتكرار: قد تشجع الجوائز على إعادة إنتاج قوالب شعرية معينة (خصوصاً العمودية والتفعيلة) على حساب قصيدة النثر. صناعة نجومية وهمية: أحياناً تخدم الجوائز آليات الإعلام أكثر من القيمة الفنية الحقيقية للنص.• ما مدى قبولك لفكرة ترجمة النصوص الفلسطينية إلى العبريّة؟•• فكرة جميلة ورائعة تفتح لأدبنا النوافذ على عوالم جديدة.• لماذا يزايد بعض الكُتّاب والشعراء بمواقفهم على إخوتهم في الأراضي المُحتلة؟•• تمثلت ظاهرة المزايدات بين الكتاب والشعراء الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني في صراع النقاوة الثورية، وتفاوت المواقف السياسية، والتنافس على تمثيل صوت الوجدان الجمعي. وترجع جذور التنافس وظاهرة المزايدة إلى ضرورة تحويل النص الأدبي إلى معيار للالتزام الحزبي أو الوطني. ويبرز تباين الانتماءات في الصراع الخفي أو المعلن بين شعراء الداخل المرتبطين بمرجعيات مختلفة وشعراء الشتات، واتهام بعض المبدعين بالمهادنة أو اللين في الخطاب الشعري نظراً لظروف العيش المباشر في الداخل الفلسطيني. ومن تجليات المزايدات في المشهد الثقافي نلمح المعيار الأيديولوجي واتهام القصيدة الحديثة أو الرمزية بالابتعاد عن هموم الناس لصالح الشكل الفني أو الجمالي. ويمارس البعض سلطة النقد الحاد في استخدام المنابر الصحفية والأدبية لتسفيه تجارب الزملاء من باقي المبدعين واعتبارها أقل قيمة في مناخ تنافس حاد على أحقية نيل لقب «شاعر الحريَّة والوطن» أو «المتحدث باسم الأرض».