نقطة ثمينة لا تخفي الحقيقة
الخروج بنقطة أمام سويسرا في كأس العالم 2026 يُعد إنجازاً محترماً يستحق التقدير، خاصة أن المنتخب القطري خطف هذه النقطة من فريق أوروبي قوي ومنظم. منتخب يواجه فارق خبرة وتصنيف واضحاً، ويدرك التعادل بهدف قاتل في الدقيقة 90+4، يُظهر قدراً من الإصرار يبعث على التفاؤل المعتدل. لكن الاكتفاء بالاحتفال بهذه النقطة قد يكون قراءة ناقصة لمباراة حملت رسائل أعمق مما تعكسه النتيجة 1-1 على ملعب ليفايس ستاديوم. قطر لم تكن الطرف الأفضل في معظم فترات اللقاء. سيطرت سويسرا على الإيقاع مبكراً، وتحكمت في وسط الملعب، واستثمرت تفوقها عبر ركلة جزاء نفذها بريل إمبولو. المشكلة لم تكن في التأخر بالنتيجة فقط، بل في الطريقة التي بدا بها المنتخب القطري عاجزاً عن الاحتفاظ بالكرة أو الخروج المنظم من الضغط. لفترات طويلة، اكتفى الفريق برد الفعل بدلاً من صناعة المبادرة. ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل ما قدمه الحارس محمود أبو ندى، كان أحد أبرز أسباب بقاء المباراة ضمن الحدود الممكنة، ليس فقط بتصدياته الواعية بل بهدوئه وقدرته على بث الطمأنينة في الخط الخلفي. في بطولات بهذا الحجم، غالباً ما يبدأ التماسك من حارس مرمى يمنح زملاءه الثقة، ويبدو أن أبو ندى يمثل خطوة مهمة في مركز طالما أثار بعض القلق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي حد يستطيع منتخب يطمح للمنافسة الجادة الاعتماد على الصمود وحده؟ الاعتماد المتكرر على انطلاقات أكرم عفيف في التحولات السريعة قد يُجدي أحياناً، لكنه ليس حلاً مستداماً أمام منتخبات تمتلك انضباطاً تكتيكياً عالياً. افتقد الفريق التنوع الهجومي، وغابت القدرة على فرض نسقه الخاص. كان ينتظر أخطاء الخصم أكثر مما يصنع الفرص بنفسه. ثم جاءت الدقيقة 90+4. عرضية متقنة من همام الأمين، ورأسية قوية من خوخي بوعلام أعادت قطر إلى المباراة. هدف مهم معنوياً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يحجب أوجه القصور التي ظهرت بوضوح. كرة القدم الحديثة لا تكافئ الفرق التي تتقن النجاة فحسب، بل تلك القادرة على التحكم والتكيف وخلق الحلول. ما يقدمه جولين لوبيتيغي يبدو مشروعاً في طور التشكل: خليط من خبرة لاعبين مخضرمين مثل خوخي بوعلام وعفيف وحماس شباب يسعون لترك بصمتهم. غير أن هذا المشروع يحتاج شخصية أوضح بالكرة، وحلولاً هجومية أكثر تنوعاً، وقدرة أفضل على إدارة فترات الضغط، إذا كان الهدف تجاوز فكرة «المشاركة المشرفة» نحو المنافسة الحقيقية. الجمهور القطري أدى دوره بامتياز. حضر بكثافة، مرتدياً الثوب والغترة والعقال، متوشحين بالشال العنابي، وملأ أجزاء واسعة من المدرجات بهتافات متواصلة أعطت اللاعبين دفعة إضافية. اللاعبون لم يبخلوا بالقتال حتى الرمق الأخير. لكن المجاملة لا تصنع التطور. النقد الموضوعي يعترف بقيمة النقطة، وفي الوقت نفسه يؤكد أنها غير كافية للاطمئنان الكامل. في النهاية، التعادل ليس سبباً للمبالغة في التفاؤل، ولا مدعاة للتشاؤم. إنه تذكير بأن منتخب قطر قطع خطوات مهمة في السنوات الأخيرة، لكنه لم يصل بعد إلى المرحلة التي يفرض فيها نفسه على خصوم بهذا المستوى. وبين الرضا بنقطة والطموح لبناء منتخب أكثر اكتمالاً، تكمن المهمة الحقيقية في المباريات المقبلة. عيسى المسمار - حائل