نعيمٌ عظيم نعيشه وسؤالٌ عظيم ينتظرنا – رمضان جريدي العنزي

كانوا يأكلون التمر والشعير، وينامون على الحصير، ويلبسون الثياب البالية، وينتعلون الخِفاف، ويركبون الدواب، ويقطعون المسافات في مشقة، ويطلبون الماء في عناء، ويعالجون المرض بما تيسّر لهم من أسباب، وتحيط بهم الفاقة والحاجة وشظف العيش، ومع ذلك كانت في قلوبهم من القناعة واليقين والرضا بالله ما يجعل القليل كثيرًا، وما يجعل خشونة الحياة أهون من أن تُطفئ في نفوسهم معنى الحمد، لم تكن الحياة يومها كما نعرفها اليوم، ولم تكن أبواب الراحة مفتوحة على هذا النحو، ولم تكن النعم محيطة بالإنسان من كل جانب، ومع ذلك لم تكن قيمة الإنسان عندهم تُقاس بما يملك، ولا منزلته بما يركب، ولا سعادته بما يستهلك، ثم جاء القرآن ليوقظ القلب من غفلته، ويضع الإنسان أمام حقيقة لا يستطيع أن يتجاوزها، فقال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم}، آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معناها، ثقيلة في دلالتها؛ لأنها تنقل النعمة من كونها شيئًا نملكه إلى كونها أمانةً سنُسأل عنها، وهنا ينبغي للإنسان أن يتوقف قليلًا، إذا كان السؤال عن النعيم قد جاء في زمن كانت فيه الحياة محدودة الوسائل، قليلة المتاع، شديدة المشقة، فكيف بنا نحن الذين فُتحت لنا أبواب من النعم لم تكن تخطر على بال من سبقنا، نستيقظ على سرير مريح، ونفتح أعيننا على بيت آمن، ونضغط زرًا فتصل إلينا الكهرباء، ونفتح صنبورًا فيجري الماء، ونفتح الثلاجة فنجد الطعام، ونرفع الهاتف فتصلنا أصوات من نحب مهما باعدت بيننا وبينهم المسافات، ونركب السيارة فنقطع في ساعات ما كان الأوائل يقطعونه في أيام وأسابيع وأشهر، وندخل المستشفى فنجد الطبيب والدواء والأجهزة، ونطلب حاجتنا من مكان بعيد فتصل إلى أبوابنا، أصبح كثير من المستحيل قديمًا أمرًا عاديًا في حياتنا، بل إن أعظم النعم أصبحت عندنا من شدة اعتيادها كأنها ليست نعمًا أصلًا، وهذه ربما إحدى أخطر صور الغفلة: أن يعتاد الإنسان النعمة حتى يفقد الإحساس بأنها نعمة، فالماء الذي كان الوصول إليه مشقة، أصبح عندنا ينساب بلا توقف، والطعام الذي كان يُطلب بعد تعبٍ وعناء، أصبح فائضًا عن حاجتنا، والدواء الذي كان حلمًا عند كثير من الناس، أصبح في متناول اليد، والأمن الذي كانت أجيال تتمنى أن تنام في ظله، أصبح عند كثير منا شيئًا لا نفكر فيه، والصحة التي لا يعرف قيمتها إلا المريض، نستهلكها كل يوم وكأنها حق دائم، وهنا تبدأ المشكلة، فالإنان لا يستهين غالبًا بما يفتقده، وإنما يستهين بما اعتاده، حين تتكرر النعمة كل يوم، يفقد القلب دهشته منها، ويصبح وجودها مألوفًا إلى درجة أنه لا يلتفت إليها، يشرب الماء فلا يقول: الحمد لله، يأكل الطعام ولا يتذكر كم من إنسان يتمنى هذه الوجبة، يخرج من بيته آمنًا ولا يتأمل معنى الأمن، يمشي على قدميه ولا يستشعر عظمة الصحة، ينام ويستيقظ ولا يتذكر أن النوم نفسه نعمة، وأن القدرة على الاستيقاظ نعمة أخرى، حتى الأهل والأصدقاء والأبناء، قد يصبح حضورهم مألوفًا إلى الحد الذي لا يشعر معه الإنسان بعظيم فضل وجودهم إلا حين يغيب أحدهم، وهكذا يفعل الاعتياد بالإنسان؛ يأخذ منه الإحساس بالأشياء الجميلة دون أن يأخذ الأشياء نفسها، تبقى النعمة موجودة، لكن القلب لم يعد يراها، وهنا لا تكون المشكلة في قلة النعم، وإنما في قلة الشعور بها، طعام كثير يُعدّ أكثر مما تحتاجه المائدة، ثم يُلقى جانب منه في النفايات، ماء يُفتح بلا حاجة، كهرباء تُستهلك بلا اكتراث، ملابس تُشترى لا لحاجة، وإنما لمجرد الرغبة في الجديد ما أكثر ما نرى اليوم من مظاهر الإسراف التي تكشف أن الإنسان قد يملك الشيء ولا يعرف قدره، والوفرة نعمة، لكن الوفرة التي لا تعرف حدود الحاجة قد تتحول إلى إسراف، فالنعمة التي لا تصنع أثرًا طيبًا في صاحبها تحتاج إلى وقفة، ولا يعرف قيمة الصحة إلا حين يمرض، ولا يعرف قيمة الوالدين إلا حين يفقد أحدهما، ولا يعرف قيمة الأبناء إلا حين يكبرون ويبتعدون، ولا يعرف قيمة الوقت إلا حين تمضي السنوات، ولا يعرف قيمة المال إلا حين تضيق به الحاجة، ولا يعرف قيمة العافية إلا حين يصبح المرض جزءًا من يومه، وكأن الإنسان كثيرًا ما يحتاج إلى أن يفقد الشيء حتى يرى قيمته، لكن الحكمة ليست أن تنتظر الفقد، الحكمة أن تعرف قيمة النعمة وهي بين يديك، أن تنظر إلى بيتك اليوم وتقول: الحمد لله، إلى أهلك: الحمد لله، إلى أمنك: الحمد لله، إلى رزقك: الحمد لله، إلى قدرتك على الحركة والعمل والسفر والاختيار: الحمد لله، فليس كل ما نملكه يحتاج إلى زيادة، بعض ما نملكه يحتاج فقط إلى أن نراه بعين مختلفة، وليس من الشكر أن نحمد الله على النعمة ثم نهدرها، ولا أن نقول بألسنتنا: الحمد لله، بينما سلوكنا يناقض معنى الحمد، الشكر الحقيقي أن يظهر أثر النعمة في أخلاقنا، أن يرى الناس في صاحب المال كرمًا، وفي صاحب العلم تواضعًا، وفي صاحب القوة رحمة، وفي صاحب المنصعدلًا، وفي صاحب الصحة نشاطًا في الخير، وفي صاحب الوفرة إحساسًا بالمحتاجين، فالنعمة التي لا تصنع أثرًا طيبًا في صاحبها تحتاج إلى وقفة، تأملوا كم من إنسان لا يعرف قيمة نعمة الأمن إلا حين يخاف، ولا يعرف قيمة الصحة إلا حين يمرض، ولا يعرف قيمة الوالدين إلا حين يفقد أحدهما، ولا يعرف قيمة الأبناء إلا حين يكبرون ويبتعدون، ولا يعرف قيمة الوقت إلا حين تمضي السنوات، ولا يعرف قيمة المال إلا حين تضيق به الحاجة، ولا يعرف قيمة العافية إلا حين يصبح المرض جزءًا من يومه، وكأن الإنسان كثيرًا ما يحتاج إلى أن يفقد الشيء حتى يرى قيمته، لكن الحكمة ليست أن تنتظر الفقد، الحكمة أن تعرف قيمة النعمة وهي بين يديك، فليس كل ما نملكه يحتاج إلى زيادة؛ بعض ما نملكه يحتاج فقط إلى أن نراه بعين مختلفة، وأعظم الغنى ليس أن تزدحم الخزائن، وإنما أن يمتلئ القلب بالرضا، وقد يعيش الإنسان في بيت واسع وقلبه ضيق، وقد يأكل على مائدة عامرة ونفسه جائعة، وقد يملك المال الكثير ويظل فقيرًا إلى الطمأنينة، وقد يملك القليل، لكنه يعيش منشرح الصدر، مطمئن النفس، كثير الحمد، ولهذا فإن النعمة الحقيقية ليست دائمًا في الشيء الذي تملكه، بل في الشعور الذي يتركه هذا الشيء في نفسك، فلنتأمل حياتنا قليلًا، كم نعمة نعيشها ولا نشعر بها؟ كم نعمة نحمد الله عليها مرة، ثم نتصرف بعدها وكأنها حق مكتسب؟ كم نعمة نخاف فقدها، لكننا لا نشكر الله عليها وهي موجودة؟ وكم من الأشياء التي نشتكي من عدم وجودها، بينما حولنا من النعم ما لو اجتمعنا على عدّها لعجزنا؟ قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}. ليست المشكلة أن النعم قليلة؛ المشكلة أننا عاجزون عن الإحساس بكثرتها، ينبغي أن نتذكر أن النعمة ليست ملكًا مطلقًا لنا، وإنما فضلٌ من الله، وابتلاءٌ ومسؤولية، فالمال سؤال، والصحة سؤال، والوقت سؤال، والعلم سؤال، والأهل سؤال، والأمن سؤال، والقدرة سؤال، وكل ما أودعه الله في أيدينا سيأتي يوم نُسأل فيه عنه، فطوبى لمن أدرك ذلك قبل أن يُسأل، طوبى لمن نظر إلى نعمته بعين العارف لا بعين المعتاد، طوبى لمن إذا أُعطي شكر، وإذا قدر أحسن، وإذا أُوتي مالًا أنفق، وإذا أُوتي صحةً استعملها في الخير، وإذا رأى وفرةً تذكر أهل الحاجة، وإذا امتلأت يده لم يفرغ قلبه من التواضع، فالنعمة لا تُخيف حين تُشكر، ولا تثقل حين تُحفظ، ولا تضيع حين تُستعمل في الخير، وما أقى