نظرية التلقي هي اتجاه فكري يركز على دور الجمهور في إنتاج المعنى عند التعامل مع النصوص، سواء كانت أدبية أو إعلامية. نشأت هذه الفكرة في الدراسات الأدبية الألمانية في ستينيات القرن العشرين ضمن مفهوم «جمالية التلقي» الذي قدمه الناقد الألماني هانس روبرت ياوس. قال ياوس أن معنى العمل الأدبي لا يوجد بشكل ثابت داخل النص، بل يتشكل من خلال تفاعل القارئ معه عبر الزمن. وقد صاغ مفهوم «أفق التوقعات» الذي يشير إلى الخلفية الثقافية والمعرفية التي يحملها القارئ عند قراءته للنص، والتي تؤثر في فهمه وتأويله له. وقد طور الناقد الألماني الآخر فولفجانج إيزر هذا الاتجاه بالتأكيد على أن النص لا يحمل معنى مكتملًا، بل يحتوي على «فراغات» يملؤها القارئ أثناء القراءة. بهذا المعنى، لم يعد المعنى ثابتاً في النص، بل نتيجة تفاعل بين النص والقارئ. انتقلت هذه الفكرة إلى الدراسات الثقافية والإعلامية مع أعمال الناقد البريطاني ستيورات هول الذي أعاد صياغتها ضمن نموذج «الترميز وفك الترميز». وقال هول إن الرسائل الإعلامية تُنتج ضمن سياق ثقافي معين، لكن الجمهور قد يفسرها بطرق مختلفة. وأشار إلى وجود ثلاث قراءات محتملة: قراءة مهيمنة تتبنى المعنى كما هو، وقراءة تفاوضية تقبل بعضه وترفض بعضه الآخر، وقراءة معارضة تعيد تفسيره بشكل مختلف. هذا الطرح نقل التركيز من النص إلى «عملية التلقي»، وأكد أن الجمهور ليس سلبياً بل فاعلاً في تشكيل المعنى. ثم جاء الباحث البريطاني ديفيد مورلي الذي درس كيفية تلقي الجمهور لبرامج التلفزيون، خاصة في أبحاثه حول برنامج «نيشن وايد» الإخباري. تعد هذه الدراسة من أهم التطبيقات العملية لنظرية التلقي في الإعلام. لم يكتف مورلي بتحليل محتوى البرنامج الإخباري، بل ركز على كيفية تفسيره من قبل جمهور ينتمي إلى خلفيات اجتماعية مختلفة. فقام بعرض حلقات من البرنامج على مجموعات متنوعة من المشاهدين، مثل العمال والموظفين والطلاب، ثم ناقش معهم فهمهم لما شاهدوه. وأظهرت النتائج أن الجمهور لا يتلقى الرسالة بشكل موحد، بل إن بعض الفئات تبنت الخطاب الإعلامي كما هو، بينما فئات أخرى قبلته جزئياً، والفئة الثالثة رفضته تماماً. كشفت هذه الدراسة أن التلقي عملية اجتماعية مرتبطة بالطبقة والخلفية الاجتماعية والثقافة، وأن فهم الإعلام لا يمكن فصله عن السياق الذي يعيش فيه الجمهور. وفي دراسات أخرى حديثة ركزت الباحثة البريطانية سونيا ليفنجستون على فهم كيفية تلقي الجمهور للمحتوى في البيئة الرقمية، مع اهتمام خاص بالأطفال والشباب بوصفهم الفئة الأكثر تفاعلاً مع الوسائط الجديدة. وفي هذه الأبحاث، اتضح أن التلقي لم يعد مجرد عملية تفسير صامتة، بل أصبح ممارسة يومية تتداخل فيها المشاهدة مع التعليق والمشاركة وصناعة المحتوى. درست ليفنجستون كيف يفسر المستخدمون الأخبار والمضامين الرقمية في ضوء خبراتهم الاجتماعية، وكيف يعيدون توظيفها داخل شبكاتهم الاجتماعية، مما ينتج معاني متعددة ومتغيرة باستمرار. كما أكدت أن فهم التلقي في العصر الرقمي يتطلب النظر إلى عوامل مثل مهارات الاستخدام الرقمي، والسياق الأسري، ودور المنصات الرقمية والبرمجيات في توجيه ما يراه الجمهور. وبهذا، وسعت ليفنجستون نظرية التلقي لتشمل التفاعل والمشاركة، وليس التفسير فقط. ختاماً، في العصر الرقمي، تزداد أهمية نظرية التلقي بشكل واضح. فالمستخدم لم يعد مجرد متلق، بل منتج ومشارك في الوقت نفسه، من خلال التعليق وإعادة النشر وصناعة المحتوى. هذا التفاعل المستمر يكشف تعدد القراءات لنفس الرسالة. لذلك أصبحت نظرية التلقي اليوم جزءاً من تحليل أوسع يشمل التفاعل، والمشاركة، ودور المنصات الرقمية في تنظيم العلاقة بين الإعلام والجمهور.
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة

آل حسن يُتوّج أبطال «الجولة الماسية»
توَّج الدكتور واسم آل حسن، رئيس الاتحاد السعودي للمبارزة، الفائزين في بطولة السعودية للمبارزة «الجولة الماسية» للسيدات تحت 11 و 17 عامًا، المنظمة في الصالة الرياضية بنادي الهلال. وحققت غلا الدحيم، لاعبة النهضة، الميدالية الذهبية في منافسات سلاح الشيش فئة تحت 17 عامًا، وجاءت ملاك معاذ «الاتفاق» ثانيًا، وغادة الغنام «الشباب» ثالثًا. ونالت تلين القضماني…
الريادية
May 11, 2026

مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يُطلق النسخة الخامسة من تحدي الإلقاء للأطفال
أطلق مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية النسخة الخامسة من مسابقة (تحدي الإلقاء للأطفال)، وهي مسابقة دولية تستهدف الأطفال الناطقين باللغة العربية من جميع أنحاء العالم، من عمر (5)...
صحيفة المدينة
May 11, 2026
ADVERTISEMENT
