يقصد بالاتصال الخطابي ذلك النوع من الاتصال الذي يقوم على استخدام اللغة والرموز والحجج بقصد التأثير في الآخرين أو إقناعهم أو تشكيل فهمهم لقضية ما. وقد ارتبط هذا النوع من الاتصال في بدايته بالخطابة العامة، أي بالمواقف التي يتحدث فيها شخص أمام جمهور، كما في المحاكم والمجالس السياسية والمناسبات الاجتماعية والدينية. لكن المفهوم اتسع لاحقاً، فلم يعد مقصوراً على الخطب الشفهية، بل أصبح يشمل مختلف أشكال الخطاب التي تستخدم الكلمات والصور والرموز لإنتاج المعنى والتأثير في الناس. ولهذا يمكن اليوم دراسة خطاب سياسي، أو إعلان تجاري، أو برنامج تلفزيوني، أو منشور رقمي، من منظور الاتصال الخطابي. نشأت الجذور الأولى لنظريات الاتصال الخطابي في اليونان القديمة خلال القرن الخامس قبل الميلاد، حين أصبحت الخطابة جزءاً مهماً من الحياة السياسية والقانونية. كان المواطن يحتاج إلى عرض حججه والدفاع عن نفسه أمام المحاكم والمجالس، فظهر السفسطائيون الذين علموا الناس فنون الجدل والإقناع. ثم جاء أفلاطون وانتقد استخدام البلاغة في إقناع الناس بما قد لا يكون صحيحاً، بينما قدم أرسطو رؤية أكثر تنظيماً في كتابه «الخطابة». وقد عرف البلاغة باعتبارها: القدرة على اكتشاف وسائل الإقناع المناسبة في كل موقف، وميز بين ثلاثة عناصر مشهورة: مصداقية المتحدث، والتأثير العاطفي، والحجة المنطقية. وقد بقيت هذه العناصر الثلاثة من أهم الأسس التي تستخدم حتى اليوم في تحليل الخطابات والرسائل الإعلامية. انتقلت البلاغة بعد ذلك إلى الرومان، حيث طورها مفكرون مثل شيشرون وكوينتيليان وربطوها بالحياة العامة والتعليم والأخلاق. وتبلورت في هذا السياق القواعد الخمس للبلاغة: إيجاد الحجج، وترتيبها، واختيار الأسلوب، والإلقاء، والذاكرة. وفي العصور الوسطى استمرت البلاغة ولكنها ارتبطت بدرجة أكبر بالوعظ الديني وكتابة الرسائل. ثم شهد عصر النهضة عودة قوية إلى التراث اليوناني والروماني، وأصبح الاهتمام باللغة والخطاب جزءاً من الفكر الأوروبي الجديد. أما في عصر التنوير، فقد أدى الاتجاه نحو العقلانية والعلم إلى تراجع نسبي لمكانة البلاغة، إذ أصبح بعض المفكرين ينظرون إليها بوصفها طريقة لعرض المعرفة أكثر من كونها وسيلة للجدل أو اكتشاف الحقائق. ثم شهد القرن العشرون تحولاً كبيراً في نظريات الاتصال الخطابي. فقد وسع كينيث بيرك مفهوم البلاغة من الإقناع المباشر إلى دراسة استخدام الإنسان للرموز، وطرح مفهوم «التماهي»، أي أن المتحدث ينجح في التأثير عندما يجعل الجمهور يشعر بوجود قيم أو مصالح أو هوية مشتركة معه. كما طور شاييم بيرلمان ولوسي أولبرختس-تيتيكا ما عرف بالبلاغة الجديدة، وركزا على الحجاج وطبيعة الجمهور الذي توجه إليه الرسالة. وقدم لويد بيتزر مفهوم «الموقف البلاغي»، الذي يؤكد أن الخطاب لا يفهم بعيداً عن الظروف التي أنتجته، والجمهور الذي يستقبله، والقيود المحيطة به. وبهذا انتقلت نظريات الاتصال الخطابي من التركيز على مهارة الخطيب وحده إلى دراسة العلاقة المعقدة بين المتحدث والرسالة والجمهور والسياق. ومع انتشار وسائل الإعلام الحديثة، اتسع مجال الاتصال الخطابي، فلم يعد الخطاب يعني الكلمات المنطوقة فقط، بل أصبح يشمل الصور والإعلانات والأفلام والمواقع الإلكترونية والفيديوهات والمنشورات الرقمية. كما بدأت الدراسات الحديثة تهتم بكيفية استخدام الخطاب في تشكيل الهوية وإنتاج المعرفة وتثبيت علاقات القوة أو مقاومتها. ولهذا أصبحت نظريات الاتصال الخطابي اليوم جزءاً مهماً من الدراسات الإعلامية، فهي تساعد على فهم بناء الرسائل، وكيف تستخدم اللغة والصور والرموز في الإقناع، وكيف يسهم الخطاب الإعلامي في تشكيل الطريقة التي يرى بها الناس العالم من حولهم.