نشأة النحو العربي بين إشكالية التأسيس واضطراب الرواية التاريخية – أ.د. محمد بن عبدالعزيز  العميريني

أكثر ما يُغري عند البحث في تاريخ نشأة العلوم أن نسأل عن اللحظة الأولى: أول واضع، وأول قاعدة، وأول كتاب، وما أشبه ذلك من الأسئلة التي نظنها مفتاحاً حقيقياً لقراءة النشأة الأولى، غير أن هذا الإغراء ربما أوقع الباحثين في الوهم؛ لأن العلوم الكبرى لا يمكن أن تُولد في لحظة واحدة، ولا تكتمل بجهد فردي نتيجة وقائع (مشتتة) المصدر أو مضطربة الهدف، وإنما تتشكل ببطء داخل حاجات ثقافية ومعرفية متراكمة، وربما -هنا- تكمن إشكالية نشأة النحو العربي.

السرد التاريخي القديم يمنحنا مشهداً مضطرباً، صورته: ظهر اللحن، ودخل غير العرب في الإسلام، وخيف على العربية والقرآن الكريم، فتأكدت الحاجة إلى ضبط اللسان، ثم جاء أبو الأسود الدؤلي، بإشارة من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في بعض الروايات، فوضع قواعد النحو، ثم أكمله تلاميذه من بعده، حتى نضج العلم عند الخليل وسيبويه.

لكن هذا الوضوح والسردية المباشرة (المتخيلة) تتراجع كلما اقتربنا من المصادر، فابن النديم نفسه، وهو من أهم من أرّخ للكتب والعلماء، لا يقدم رواية واحدة قاطعة على نشأة النحو، وأول من قام بوضع أسسه وقواعده، وإنما أشار إلى أن أكثر العلماء نسبوا وضعه إلى أبي الأسود، ثم يورد قولاً آخر يجعل نصر بن عاصم صاحب التفكير الأول في وضع النحو، وروايةً ثالثة تجعل عبدالرحمن بن هرمز أول من وضع العربية، هذا الاختلاف في النقل منذ ابن النديم يدل على أن الاختلاف حاضر في الذاكرة التراثية نفسها، ولهذا فإني أرى أن السؤال عن واضع علم النحو ليس منطقياً إذ يفترض أن لهذا العلم واضعاً محدداً، وما نقله التاريخ لنا عن مرحلة النشأة يحكي الطريقة التي نشأ بها وليس تاريخ النشأة نفسها ومؤسس هذا العلم، والخلط بين هذين الأمرين هو الذي أوقع كثيراً من المتأخرين في اضطراب فهم وقائع التأسيس.

دعني أقدم تصوراً للرواية التقليدية لتاريخ نشأة العلوم، إذ غالباً ما تبدأ بحاجة تنشأ، ثم رجل يدركها، ثم يبتكر العلم استجابةً لها، وهذا النموذج (المكرر) لا يلائم دائماً طبيعة تشكل المعرفة، فالنحو العربي -مثلاً- في صورته التي نجدها عند سيبويه ليس مجموعة ملاحظات بسيطة على رفع الفاعل ونصب المفعول وتقديم الخبر وتأخيره، وإنما منظومة تحليلية شديدة التركيب: أبواب، ومصطلحات، وقياس، وسماع، وتعليل، وتمييز بين المطرد والشاذ، وتحليل للأصوات والأبنية والتراكيب والدلالات، و(كتاب) سيبويه كما هو معروف يُعد أقدم مؤلف نحوي شامل ثابت النسبة وصل إلينا، وما فيه من عمق وتحليل يفترض -بالضرورة- نشاطاً لغوياً سابقاً عليه، ترتب على هذا معضلة كبيرة تكمن في وجود علم ناضج في أواخر القرن الثاني الهجري، ولكن لا نملك دلالات صريحة توحي بالطريق النصي الموثق المؤدي إلى هذا النضج في هذا العهد المبكر، وهذا يعني أننا أدركنا النتيجة، وجهلنا المقدمات، وبناء على هذا الفراغ الكبير بين مرحلة النضج والبدايات وجدنا مجموعة من الروايات التي تعيدنا إلى أبي الأسود، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، واللحن، ونقط المصحف، ثم نجد بعد ذلك علماً بالغ النضج عند سيبويه.

المشكلة -من وجهة نظري- ليست في أن أبا الأسود الدؤلي ربما يكون شخصية متخيلة، ولا يلزم من نقد روايات النشأة وحكاياتها إنكار جهوده، وإنما المشكلة في حجم البناء العلمي الذي يجوز تاريخياً أن ننسبه إليه.

لو كانت واقعة تأسيس النحو حدثاً تاريخياً بسيطاً لأمكن لنا توقع من قام بهذا العمل، وافتراض طبيعة ما قام به غير أن الروايات الواردة لا تعطينا الاطمئنان أو الاستقرار حول شخصية بعينها، فمرةً يكون أبو الأسود هو المؤسس، ومرة يكون علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو الذي وضع له المبادئ الأولى، ومرة يظهر نصر بن عاصم، ومرة عبدالرحمن بن هرمز، وهذا ما نقله أصحاب التاريخ.

ثم هناك معضلة أخرى لا تقل شأناً عن سابقتها، ما الذي يعنيه قول القدماء: واضع علم النحو؟ وضع علامات الإعراب؟ أو لاحظ الظواهر النحوية؟ أو صاغ قواعد أولية؟ أو أنشأ مصطلحات نحوية؟ أو استعمل القياس؟ أو صنّف الأبواب النحوية وقسّمها؟

قد يجوز أن أفترض -جمعاً بين الروايات- أن أعمالاً مختلفة قام بها أشخاص مختلفون في أزمنة مختلفة جُمعت فيما بعد تحت كلمة واحدة هي (وضع النحو)، و-هنا- ربما تكون بعض الأخبار صحيحة في أصلها، غير أنها لا ترسم صورة كلية ومنطقية عن هذا العمل.

وربما مثل أبو الأسود الدؤلي جزءاً رئيساً من عملية التأسيس نظراً لتكرر ذكره في كتب التاريخ، لكن نسبة وضع هذا العلم بأكمله إليه مسألة فيها نظر، وهذا لا يقتضي إسقاط هذه الشخصية من تاريخ العربية، لكن ينبغي التمييز بين أمور عدة: أبو الأسود تاريخياً، وما يمكن إثباته من نشاطه اللغوي، وأبو الأسود كما رأت كتب التاريخ.

فالروايات تنسب إليه أ حياناً وضع النحو، وأحياناً نقط المصحف، وربما نسبت إليه وضع أبواب محددة في النحو كالاستثناء -كما قيل-، وأحياناً تجعل المبادرة منه، وأحياناً تجعلها بأمر من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وتختلف حتى في السبب المباشر الذي دفع إلى ذلك، والمثير حقاً أن بعض المؤرخين صرّح باختلاف الرواية في أول من بدأ النقط، فيذكر أبا الأسود، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، ثم يحاول التوفيق بين الأخبار بأن نصراً ويحيى ربما أخذا ذلك عن أبي الأسود، والمهم في هذه القضية أن نقط المصحف ليس هو بالضرورة (تأسيس علم النحو).

وحين تسرد لنا كتب التاريخ سردية متناغمة تكمن في أن اللغة كانت سليمة، ثم وقع اللحن، ثم سمعه عالم أو خليفة، ففزع له، ثم بدأ النحو، و-هنا- يمكن أن نعد تلك السردية تفسيراً حضارياً لنشأة العلم، وبناء على ذلك لا ينبغي رفض جميع أخبار اللحن لمجرد أنها ذات بناء قصصي أو سردي متجاذب، فالفتوح واتساع المجال الإسلامي واختلاط الجماعات واكتساب العربية من غير الناطقين بها تجعل تنامي الوعي بالمعيار اللغوي أمراً مفهوماً تاريخياً، غير أن الانتقال من القول بأن اللحن كان عاملاً مباشراً من عوامل تنامي الوعي اللغوي إلى القول إن حادثة لحن بعينها -كما أثير من روايات وحوادث- هي التي أنشأت علم النحو انتقال لا يسمح به منطق نشأة العلوم، ولا تدعمه أدلة صريحة، فالعلوم لا تنشأ عادةً من واقعة واحدة أو حوادث فردية، لكن (عقلياً) يمكن قراءة أخبار اللحن بطريقتين: قراءة حرفية تبحث عن الجملة التي لُحن فيها، ومن سمعها، وماذا قال بعدها، وقراءة تاريخية أعمق ترى أن في تكرر مثل هذه القصص والوقائع تعبيراً عن الوعي ، ودافعاً إلى وضع قواعد ورسم معالم تحفظ اللسان من الوقوع في الخطأ، و-هنا- نقرأ الروايات الواردة بوصفها (وثائق وعي بالحدث)، وليست مجرد وثائق تسطر الأحداث.

وعندما نعود إلى تاريخ أبي الأسود الدؤلي نجد أنه توفي في القرن الأول الهجري، بينما عدد من المصادر التي صاغت قصته النحوية بصورتها المفصلة ينتمي إلى قرون لاحقة بمعنى أنها ليست تسجيلاً مباشراً للحدث، وهذا يقتضي جدلاً أن مثل تلك الروايات تحتاج إلى نقد وإعادة قراءة، خاصة حين نجد أن الخبر أو الرواية نفسها تتعدد تفاصيلها، وتتغير شخصياتها وأسبابها.