نجاة عبد الرحمن تكتب: دور القاهرة في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية

في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية، لم تعد مكانة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية أو موارد اقتصادية، بل بقدرتها على إدارة الأزمات، وبناء التحالفات، والحفاظ على استقلالية القرار، والمناورة بين القوى الكبرى. وفي خضم هذه التحولات، تبرز مصر باعتبارها دولة تمتلك مقومات جغرافية واستراتيجية وسياسية تجعلها طرفًا مؤثرًا في عدد من الملفات الإقليمية، وقادرة على أداء دور يتجاوز حدودها الجغرافية.

وتأتي أهمية الدور المصري من موقع الدولة عند ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا، وإشرافها على قناة السويس، إلى جانب ارتباط أمنها القومي بتطورات الشرق الأوسط والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

وهذه العوامل تمنح القاهرة ثقلًا استراتيجيًا، لكنها تضعها أيضًا أمام مسئوليات وتحديات متزايدة في ظل صراعات إقليمية متشابكة ومنافسة دولية على النفوذ.

يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة مع تراجع فكرة الانفراد المطلق بقيادة العالم، وصعود قوى اقتصادية وسياسية تسعى إلى توسيع نفوذها، وفي مقدمتها الصين، إلى جانب استمرار التأثير الأمريكي والأوروبي والروسي في قضايا الأمن والاقتصاد والطاقة. ويفرض هذا الواقع على الدول المتوسطة والإقليمية البحث عن مساحات أوسع للحركة، بدلًا من الارتهان لمحور دولي واحد.

وفي هذا السياق، تتحرك السياسة المصرية عبر تنويع علاقاتها الدولية، والحفاظ على قنوات التواصل مع أطراف متباينة المصالح، فالعلاقات مع الولايات المتحدة ترتبط بملفات الأمن والتعاون العسكري والقضايا الإقليمية، بينما تتيح العلاقات مع أوروبا فرصًا للتعاون الاقتصادي والاستثماري.

وتكتسب الشراكة مع الصين أهمية في مجالات البنية التحتية والتجارة والتنمية.

كما تمثل العلاقات مع روسيا وغيرها من القوى الدولية جزءًا من شبكة اتصالات تسعى القاهرة من خلالها إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية.

ولا يعني هذا التنوع بالضرورة الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف في كل قضية، بل يعكس محاولة لتحقيق قدر من المرونة السياسية، بما يسمح للدولة بحماية مصالحها وتجنب تحمل كلفة الانحياز غير المحسوب في بيئة دولية متغيرة.

تظل القضية الفلسطينية واحدة من أبرز الملفات التي تكشف أهمية الدور المصري في معادلات الشرق الأوسط.

فالجغرافيا، والحدود المشتركة مع قطاع غزة، والاتصالات الممتدة مع الأطراف المعنية، تجعل القاهرة طرفًا مهمًا في جهود التهدئة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ودعم المسارات السياسية الرامية إلى احتواء التصعيد.

ولا تنبع أهمية هذا الدور من الاعتبارات الإنسانية والسياسية وحدها، بل ترتبط كذلك بالأمن القومي المصري، وبما يمكن أن تتركه الحرب أو التهجير القسري أو اتساع نطاق الصراع من تداعيات على استقرار المنطقة. ومن هنا، تمثل حماية الحدود، ورفض تصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار، والعمل على منع اتساع المواجهات، عناصر أساسية في الحسابات المصرية.

ومع ذلك، فإن قدرة القاهرة على التأثير تظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف المتصارعة للاستجابة للوساطة، وبمواقف القوى الدولية المؤثرة. فالوساطة، مهما امتلكت من أهمية، لا تستطيع وحدها فرض تسوية مستدامة إذا غابت الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الصراع ومعالجة أسبابه الأساسية.

الأمن الإقليمي والبحر الأحمر وقناة السويس

لا تنفصل التحولات في البحر الأحمر عن المصالح الاستراتيجية المصرية؛ فالممرات البحرية تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة الدولية، وتؤثر سلامتها بصورة مباشرة في حركة السفن وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد العالمية.

وتكتسب قناة السويس أهمية خاصة باعتبارها أحد أهم الممرات التي تربط التجارة بين الشرق والغرب.

ومن ثم، فإن أي اضطراب أمني في البحر الأحمر أو محيطه قد يتجاوز أثره حدود المنطقة، ليصل إلى الاقتصاد المصري وحركة التجارة العالمية.

كما أن تحويل بعض خطوط الملاحة إلى مسارات بديلة يمكن أن يفرض ضغوطًا على إيرادات القناة، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في حسابات الشركات والأسواق.

وتفرض هذه المعادلة على مصر الجمع بين حماية مصالحها البحرية، والتحرك الدبلوماسي لتقليل التصعيد، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي من أجل ضمان حرية الملاحة.

كما تؤكد أن الأمن البحري لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح مرتبطًا بالاقتصاد والطاقة والغذاء والاستقرار المالي.

العلاقات العربية والأفريقية: دوائر النفوذ الطبيعي

تمثل الدائرة العربية أحد أهم مجالات الحركة المصرية، في ظل الترابط بين أمن مصر واستقرار محيطها الإقليمي. فالأزمات الممتدة في السودان وليبيا، إلى جانب تطورات القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر، تفرض تحديات تتطلب تنسيقًا سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا مع الدول المعنية.

وفي السودان على وجه الخصوص، يكتسب استقرار الدولة ووحدة أراضيها أهمية مباشرة بالنسبة إلى مصر، نظرًا إلى الروابط الجغرافية والاجتماعية والأمنية بين البلدين.

كما أن استمرار النزاع يضاعف الأعباء الإنسانية، ويزيد مخاطر عدم الاستقرار على امتداد الحدود، الأمر الذي يجعل دعم المسارات السياسية ووقف القتال من القضايا ذات الأولوية.

أما في ليبيا، فتظل وحدة الدولة واستعادة الاستقرار وتقليل التدخلات الخارجية عوامل مؤثرة في أمن الحدود الغربية المصرية وفي استقرار المنطقة.

ويتطلب التعامل مع هذا الملف دعم التسويات السياسية، وتجنب اتساع الانقسامات، وتعزيز المؤسسات القادرة على فرض الأمن بصورة مستدامة.

وفي أفريقيا، تبرز أهمية العلاقات المصرية مع دول القارة في مجالات التنمية والتجارة والبنية التحتية والأمن المائي.

ويظل ملف مياه النيل من أكثر القضايا حساسية، بما يتطلبه من تفاوض جاد وتعاون قائم على المصالح المشتركة، مع الحفاظ على الحقوق المائية والأمن المائي المصري.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إدارة الخلافات فقط، بل في بناء ترتيبات مستدامة تمنع تحولها إلى مصدر دائم للتوتر.

لا يمكن تقييم مكانة مصر الإقليمية بمعزل عن أوضاعها الاقتصادية.

فالقوة الدبلوماسية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية قادرة على تحمل الأزمات، وتمويل الاحتياجات الأساسية، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل.

وكلما زادت قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام، اتسعت مساحة الحركة أمام السياسة الخارجية.

وفي المقابل، تؤثر الضغوط المرتبطة بالتضخم واحتياجات التمويل والديون وتكاليف الاستيراد في قدرة الدولة على المناورة، خصوصًا عندما تتزامن الأزمات الداخلية مع اضطرابات إقليمية تؤثر في السياحة والتجارة وإيرادات قناة السويس والاستثمار.

ومن هنا، فإن تعزيز الدور المصري لا يرتبط فقط بكثافة الاتصالات الدبلوماسية أو المشاركة في المحافل الدولية، بل يتطلب أيضًا تحسين بيئة الاستثمار، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، وتوسيع فرص العمل، وتنمية القطاعات القادرة على توليد قيمة مضافة.

فالاقتصاد القوي يمنح السياسة الخارجية مساحة أكبر للاستقلال، بينما يؤدي استمرار الاختلالات الاقتصادية إلى زيادة كلفة الخيارات الاستراتيجية.

على الرغم من المقومات التي تمتلكها مصر، فإن التحرك في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد لا يخلو من قيود.