.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
إذا كان نتنياهو يحتاج، بعد مشهد نيويورك، إلى أن يقول للناخب الإسرائيلي إنه لا يزال قادراً على الوصول إلى عواصم المنطقة، فإن أبوظبي أعطته الزيارة، لكنها لم تمنحها أكثر من معناها الديبلوماسي. لم تصنع له احتفالاً، ولم تضع اللقاء في إطار انتصار انتخابي...
في نيويورك، كانت المقاعد الشاغرة تقول ما لم تستطع الكلمات أن تخفيه. في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر، غادرت عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة مع بدء كلمة بنيامين نتنياهو؛ مشهد لم يكن جديداً بحد ذاته، لكنه كان ثقيلاً في دلالته السياسية، لأن الصورة هذه المرة لم تكن موجهة إلى العالم وحده، بل إلى الناخب الإسرائيلي أيضاً: رئيس حكومة يخاطب العالم، فيما يختار جزء من العالم ألا يستمع إليه.
بعد ثلاثة أيام، جاء المشهد المقابل من أبوظبي. كانت الزيارة قد بدأت في الإعلام الإسرائيلي بوصفها خبراً غير معلن، وتوالت حولها الروايات والتسريبات، قبل أن تؤكدها الإمارات رسمياً في اليوم التالي. لكن الفارق لم يكن في وجود اللقاء، بل في الطريقة التي اختارت بها أبوظبي أن تقدمه: رئيس دولة يستقبل رئيس حكومة، ومحادثات تتناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها، من دون أن تتحول الزيارة إلى مشهد شخصي يتجاوز إطار العلاقة بين دولتين.
وهنا تكمن دلالة الصورة. فإذا كان نتنياهو يحتاج، بعد مشهد نيويورك، إلى أن يقول للناخب الإسرائيلي إنه لا يزال قادراً على الوصول إلى عواصم المنطقة، فإن أبوظبي أعطته الزيارة، لكنها لم تمنحها أكثر من معناها الديبلوماسي. لم تصنع له احتفالاً، ولم تضع اللقاء في إطار انتصار انتخابي، ولم تسمح للصورة أن تطغى على مضمون العلاقة. وكأن الرسالة الهادئة كانت: هذه علاقة بين دولتين، وليست شهادة انتخابية لشخص.
لكن المشهد لم يتوقف عند حدود الديبلوماسية؛ فما إن خرج نتنياهو من صورة العزلة في نيويورك، وعاد من صورة العلاقة الرسمية في أبوظبي، حتى دخلت السياسة من باب آخر أكثر حساسية: باب الخطر. جاءت قصة الطائرة الآتية من دبي، وما رافقها من ملابسات أمنية، لتضع نتنياهو أمام مشهد مختلف تماماً؛ لا رئيس حكومة يقف في مواجهة العالم، ولا سياسي يحاول استعادة صورة الانفتاح الإقليمي، بل قائد يقف أمام الإسرائيليين في لحظة خوف، يستقبل ركاباً نجوا من حادثة لم يكتمل التحقيق في تفاصيلها بعد. وهنا، لا يعود السؤال عن الصورة التي يراها العالم، بل عن الصورة التي يريد نتنياهو أن يراها الإسرائيليون: من يفتح الأبواب في الخارج، ومن يقف عند باب الخطر في الداخل؟
وهنا تتضح اللعبة الأوسع؛ فالانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر ليست مجرد موعد انتخابي لرجل سياسي يتهيأ لتسليم المكتب إن خسر؛ إنها اختبار لصورة الرجل الذي جعل الأمن، على مدى سنوات، جزءاً من تعريفه السياسي. واليوم، كلما اقترب الصندوق، تبدو الحاجة أكبر إلى نقل الناخب من سؤال المسؤولية إلى سؤال الحماية، ومن ذاكرة ما حدث إلى الخوف مما قد يحدث.
نتنياهو يعرف أن خسارته لا تعني بالضرورة مجرد انتقال في السلطة؛ فقد تنقله من بوابة السياسة إلى بوابة القضاء، حيث لا يستطيع المنصب أن يؤجل إلى الأبد الأسئلة التي راكمتها سنوات الحكم، من تداعيات السابع من أكتوبر إلى ملفات الفساد التي ينفي الاتهامات فيها.
ثلاث صور، وثلاثة أبواب، لكن السؤال واحد: هل يصنع نتنياهو الأحداث، أم ينتظرها ثم يدير معناها؟
فما تبقى حتى السابع والعشرين من أكتوبر قد لا يكون سباقاً على صناعة حدث كبير بقدر ما يكون سباقاً على امتلاك تفسير كل حدث. الأزمات لا تحتاج دائماً إلى من يصنعها؛ يكفي أحياناً أن يوجد من يعرف كيف يقف في قلبها، وكيف يحول الخطر إلى سؤال عن الحماية، والعزلة إلى سؤال عن القدرة على فتح الأبواب، والاضطراب إلى سؤال عن الحاجة إلى القيادة.
فمن نيويورك إلى أبوظبي، ومن دبي إلى مطار بن غوريون، لم يكن السؤال فقط: ماذا حدث؟ السؤال الذي سيظل معلقاً حتى يوم الاقتراع هو: ماذا سيفعل نتنياهو بما سيحدث؟
ففي السياسة، قد لا يملك القائد صناعة الريح... لكن بعض القادة يقضون ما تبقى من الطريق في محاولة الإمساك باتجاهها، وقد يسعى نتنياهو إلى تبديل السؤال الذي يريد أن يطرحه على الإسرائيليين. من هل ما زلت أملك الشرعية، إلى هل ما زلت أملك القدرة على حمايتكم؟
...في السياسة، قد تكون المسافة بين السؤالين هي المسافة كلها بين الخسارة والبقاء.