تترقب منطقة الشرق الأوسط والعالم لحظة فارقة تُصاغ فيها خريطة النفوذ والقوة من جديد؛ ففي الوقت الذي يتطلع فيه الملايين إلى أن تحسم صناديق الاقتراع في واشنطن وتل أبيب خروج الكبار من مشهد السلطة وتنهي حقبة من التهور السياسي، تشير المعطيات الحاكمة إلى أن أخطر فترات الصراع لم تبدأ بعد.
إن تقاطع التوقيتات بين نتائج الانتخابات وتاريخ تسلم المقاعد، يفتح «نافذة لا-محاسبة» زمنية قد تدفع نحو خيارات عسكرية غير مسبوقة. فهل تشهد المنطقة انفجاراً إقليمياً في أسابيع «البطة العرجاء»، أم أن كوابح المؤسسات الأمنية العميقة والقوى الدولية ستنجح في فرملة هذا الاندفاع قبل فوات الأوان؟.
أولاً: حسم الكنيست وسباق الكونغرس.. قراءة في خريطة المشهد المأزوم
1 - الأوضاع في إسرائيل: وفقاً لما رصدته وكالات الأنباء العالمية مثل فرانس برس (AFP) والجزيرة وصحيفة هآرتس، تشهد الساحة الإسرائيلية انقساماً شعبياً حاداً تجسد في الشارع كالآتي:
أ - تظاهر آلاف الإسرائيليين (نحو 2000 متظاهر في ساحة هابيما بتل أبيب وحدهما، بالإضافة إلى تجمعات في القدس وحيفا وقيسارية). رفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها: «67 مقعداً - معاً ننتصر»، و»العرب واليهود سيفوزون معاً فقط». تهدف هذه التجمعات إلى الضغط على «كتلة التغيير» والمعارضة لعدم التردد في إشراك النواب العرب بدلاً من الذهاب لجولة انتخابية أخرى أو تشكيل حكومة وحدة مع اليمين.
ب - في المقابل، خرج المئات من أنصار بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف في مسيرات مضادة بنفس المواقع. رددوا شعارات مثل «إما اليمين أو فلسطين» وهاجموا النواب العرب، معتبرين أن أي حكومة تعتمد على الصوت العربي تعد «كارثة ومرفوضة».
جـ - على الرغم من الضغط الشعبي، فإن قادة المعارضة الرئيسيين (غادي أيزنكوت، نفتالي بينيت، وأفيغدور ليبرمان) ما زالوا يبدون تحفظات شديدة وخطوطاً حمراء تجاه الدخول في ائتلاف رسمي مباشر مع الأحزاب العربية. في المقابل، بدأ رئيس حزب «الديمقراطيين» (يسار الوسط) يائير غولان خطوات عملية، حيث أجرى اتصالات ولقاءات مع قادة الأحزاب العربية (منصور عباس، يوسف جبارين، وأحمد الطيبي) لبحث صيغ العمل المشترك لقطع الطريق أمام عودة نتنياهو. الكرة الآن في ملعب رئيس الدولة إسحق هرتسوغ الذي سيتلقى النتائج الرسمية لتبدأ بعدها المهلة القانونية لاستشارات التكليف.
2 - الأوضاع في أمريكا: الأمتار الأخيرة من السباق الانتخابي: تتزايد الأجواء سخونة في الولايات المتحدة مع بدء يوم الاقتراع. يواصل دونالد ترامب جولات انتخابية مكثفة، متبنياً خطابات هجومية تركز على قضايا الهجرة ونظريات المؤامرة.
علاقة ترامب ونتنياهو: أفادت تقارير إعلامية بوجود تواصل هاتفي بين ترامب ونتنياهو لبحث مستجدات الصراع مع إيران، تزامناً مع وجود أنباء تشير إلى تباين في وجهات النظر بين الطرفين بشأن استئناف الضربات ضد طهران.
تراجع الدعم للدولة العبرية: أظهرت مؤشرات استطلاعات الرأي (مثل مركز بيو للأبحاث) تراجعاً تاريخياً ملحوظاً في شعبية إسرائيل داخل أوساط الحزب الديمقراطي والمستقلين، مما يشكل ضغطاً على أي حكومة إسرائيلية قادمة لإعادة بناء الدعم الثنائي في الكونغرس.
3 - استمرار نتنياهو رغم الخسارة المتوقعة لمنصبه: بناءً على القوانين والممارسات الدستورية المعمول بها في إسرائيل (قانون الأساس: الحكومة)، فإن بنيامين نتنياهو لن يترك منصبه فوراً بمجرد بدء المباحثات، بل سيبقى في منصبه رئيساً لوزراء حكومة تسيير أعمال لفترة تتراوح بين شهر ونصف إلى شهرين ونصف تقريباً (من 45 إلى 75 يوماً) من تاريخ بدء الاستشارات الرسمية، وحتى اللحظة التي تؤدي فيها الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الكنيست.
4 - تسلم الديمقراطيين مقاعدهم بعد انتهاء الانتخابات: سيتسلم الفائزون الجدد في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مقاعدهم رسمياً في الثالث من يناير لعام 2027 عند الساعة 12:00 ظهراً بتوقيت واشنطن.
بموجب التعديل العشرين للدستور الأمريكي، ينتهي تفويض الكونغرس الحالي (الـ119) ويبدأ عمل الكونغرس الجديد (الـ120) في هذا الموعد المحدد تماماً. ومع ذلك، هناك بضعة تفاصيل إجرائية مهمة تصاحب هذا اليوم:
أ - بما أن يوم 3 يناير 2027 يصادف يوم أحد، يمتلك الكونغرس المنتهية ولايته الحق القانوني في تمرير تشريع بسيط لتأجيل الجلسة الافتتاحية والقسم لبضعة أيام (مثلما حدث سابقاً وتأجلت إلى 4 أو 6 يناير) لتجنب الانعقاد في عطلة نهاية الأسبوع.
ب - لا يمكن لأعضاء مجلس النواب الجدد أداء اليمين الدستورية إلا بعد انتخاب «رئيس مجلس النواب. وتبدأ الجلسة الأولى تحت إشراف أمين المجلس لتصويت الأعضاء، وبمجرد انتخاب الرئيس الجديد، يقوم بأداء القسم أولاً ثم يشرع في تسمية وقسم بقية النواب جماعياً.
جـ - نظراً لأن مجلس الشيوخ يُوصف بأنه «مجلس مستمر» (يُجدد ثلثه فقط كل عامين)، فإن الأعضاء المستمرين يباشرون أعمالهم فوراً، ويقوم نائب رئيس الولايات المتحدة (بوصفه رئيساً لمجلس الشيوخ) بالإشراف على قسم الثلث الجديد المنتخب.
تُسمى الفترة الممتدة ما بين يوم الاقتراع (نوفمبر) وحتى تسلّم المقاعد في (يناير) فترة «البطة العرجاء». وخلالها يحتفظ النواب الخاسرون أو المتقاعدون بكامل صلاحياتهم التشريعية حتى دقيقة واحدة قبل ظهر يوم 3 يناير.
ثانياً: نافذة «اللا-محاسبة».. كيف تحول فترة ترامب إلى حقل ألغام؟
أخطر السيناريوهات، حيث تلتقي الحسابات السياسية والنزعات الشخصية لزعيمين يواجهان مأزقاً وجودياً، مما يرفع احتمالات التصعيد العسكري إلى ذروتها في تلك الأسابيع الحرجة بين نوفمبر وديسمبر ويناير. وبناءً على التقييمات العسكرية والتحليلات الجيوسياسية، فيما يلي قراءة لكيفية تحول هذا الجدول الزمني والديناميكيات النفسية إلى حقل ألغام في الشرق الأوسط:
1 - تقاطع التوقيتات وحرية الحركة (نافذة اللا-محاسبة):
أ - يدرك نتنياهو أن خسارته للحكومة تعني عودته لصفوف المعارضة واستئناف محاكماته القضائية التي قد تؤدي به إلى السجن. بالتالي، فإن بقاءه في منصبه حتى يناير يمنحه دافعاً لخلق «حالة طوارئ قصوى» تؤجل انتقال السلطة أو تخلط الأوراق السياسية داخل إسرائيل لإفشال تحالف أيزنكوت.
ب - في النظام الأمريكي، يمتلك الرئيس وفريقه في فترة الرئيس ترامب (إذا خسروا التجديد النصفي) كامل الصلاحيات الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة. النرجسية السياسية هنا قد تدفع نحو مبدأ «بعدي الطوفان» أو الرغبة في ترك «إرث حاسم» غير قابل للإلغاء من قِبل الإدارة القادمة، خاصة فيما يتعلق بإنهاء التهديد النووي الإيراني.
2 - الاندفاع نحو إيران: عمليات غير مسبوقة: من الناحية العسكرية، تقاطع مصالح الرجلين في هذه الفترة قد يترجم إلى ضربة استراتيجية مشتركة وموسعة ضد طهران تشمل (المنشآت النووية الحيوية مثل نطنز وفردو - البنية التحتية النفطية والاقتصادية لإضعاف النظام بالكامل - مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري)، والزعيمان قد يريان في هذه الخطوة مخرجاً لفرض أمر واقع جديد لا يمكن للقادة الجدد (أيزنكوت في إسرائيل أو الإدارة الديمقراطية في واشنطن) التراجع عنه.