أكد نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية، أن الماء والغذاء يمثلان جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، مشددًا على ضرورة تحويل الاستراتيجيات والآليات العربية القائمة في هذا المجال إلى نتائج قابلة للقياس، من خلال ترتيب الأولويات، وتحديد جداول زمنية للتنفيذ، ومتابعة ما يتعثر منها ومعالجة أسبابه.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لفعالية إطلاق التقرير العربي الرابع عشر للتنمية الثقافية، الذي يحمل عنوان «الأمن الغذائي والمائي العربي: أزمات متراكمة ومبادرات واعدة»، بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة، اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، بحضور نخبة من الوزراء والخبراء والباحثين والأكاديميين ورؤساء المنظمات والمراكز البحثية.
ورحب الأمين العام بالحضور في مقر جامعة الدول العربية، معربًا عن تقديره لمؤسسة الفكر العربي ورئيسها الأمير خالد الفيصل، وموجهًا الشكر للمؤسسة على اختيار مقر الجامعة لإطلاق التقرير، مؤكدًا أن تناول الأمن المائي والغذائي يجسد الصلة الوثيقة بين الثقافة والتنمية، لما تتطلبه إدارة الموارد وترشيد استهلاكها من وعي مجتمعي وسياسات قائمة على المعرفة والاستشراف ومؤسسات قادرة على تأمين الاحتياجات المستقبلية.
وأوضح فهمي، أنه طرح في بداية عهده أمينًا عامًا رؤية للعمل العربي المشترك تقوم على ثلاثة محاور هي «التصدي والتطوير والتنمية»، مشيرًا إلى أن الأمن المائي والغذائي يجمع بين هذه المحاور، لارتباطه بالأمن القومي، وتطوير القدرات العلمية والمؤسسية، وتحسين حياة المواطن.
وشدد على أهمية توقع الأزمات والاستعداد لها، مؤكدًا أن «أفضل الدبلوماسية هي ما يأتي قبل الأزمة»، لافتًا إلى أهمية إدراج مؤشرات الأمن المائي والغذائي والمناخي ضمن المنظومة العربية للإنذار المبكر والاستشراف التي تعتزم الأمانة العامة تطويرها، وربطها بالمؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بما يوفر رؤية متكاملة للمخاطر تساعد صانع القرار على التحرك المبكر.
وأكد الأمين العام أن الحقوق المائية للدول العربية تمثل قضية سيادة وأمن، ومجالًا للدبلوماسية والتعاون، موضحًا أن موقف جامعة الدول العربية ثابت في دعم الحقوق المشروعة للدول العربية المتشاطئة على الأنهار الدولية، وفقًا للقانون الدولي ومبادئ الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، ورفض الإجراءات الأحادية، والدعوة إلى اتفاقات عادلة وملزمة تحقق المصالح المشتركة.
وأضاف أن اعتماد دول عربية على موارد مائية تأتي من خارج حدودها يجعل التضامن والتنسيق العربي مصلحة مشتركة، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يجوز استخدام الماء والغذاء أداة للحرب أو الضغط السياسي.
وأشار فهمي إلى أن ما شهده قطاع غزة من جرائم إسرائيلية، وما وصفه بالهجمات الإيرانية على دول عربية، أظهر خطورة استهداف مقومات حياة المدنيين، لافتًا إلى ما شهدته حالتا غزة والسودان من منع أو تقييد وصول الغذاء والمياه والمساعدات الإنسانية، ومؤكدًا أن حماية الموارد والمنشآت المائية والغذائية أثناء النزاعات التزام يفرضه القانون الدولي الإنساني ويستدعي موقفًا عربيًا واضحًا ومستمرًا.
وشدد على أن التكامل العربي يمثل ضرورة عملية لتحقيق الأمن الجماعي، من خلال تكامل القدرات الزراعية والمالية والتكنولوجية واللوجستية، وتوظيف المزايا النسبية في استثمارات مسؤولة وسلاسل إمداد آمنة، إلى جانب تنسيق المخزون الاستراتيجي وتبادل المعلومات.
وفي هذا السياق، دعا الأمين العام إلى دراسة فكرة «الميثاق العربي للتضامن الغذائي والمائي والمناخي» التي يطرحها التقرير، وربطها، حال الاتفاق عليها، بآليات واضحة للتنفيذ والمتابعة، مؤكدًا أهمية التكنولوجيا والبحث العلمي باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للأمن المائي والغذائي.
وأوضح أن البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد والزراعة الدقيقة والري الحديث والتحلية باستخدام الطاقة المتجددة وإعادة الاستخدام، توفر فرصًا كبيرة لتحسين إدارة الموارد، داعيًا إلى دراسة تعزيز الربط بين الشبكات والمنصات العربية القائمة لتبادل المعرفة والتجارب والتكنولوجيا بين الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص والمؤسسات العربية المتخصصة.
ولفت فهمي إلى أن الاستحقاقات المقبلة، ومنها أسبوع القاهرة للمياه، والمؤتمر الوزاري العربي للمياه، ومؤتمر الأمم المتحدة للمياه في الإمارات، والمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في الرياض، تمثل فرصًا لطرح رؤية وحلول عربية، وتعميم الخبرات الرائدة، والمطالبة بنفاذ أكثر عدالة إلى التمويل والتكنولوجيا، خصوصًا في مجال التكيف مع تغير المناخ.
وأكد أن تحقيق الأمن المائي والغذائي العربي يتطلب تكامل التخطيط الحكومي والاستثمار الخاص والبحث العلمي وترشيد الاستهلاك، في إطار تعاون عربي يعزز القدرة على التوقع والاستعداد والصمود، معربًا في ختام كلمته عن تطلعه إلى تحويل توصيات الفعالية إلى مقترحات عملية تجد طريقها إلى مؤسسات العمل العربي المشترك، وتحقق نتائج ملموسة للمواطن.