.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
رقم 1.2 مليون دولار يومياً لا يعني أن كل ناقلة نفط في العالم تتقاضى هذا المبلغ، ولا أن مالك السفينة يحصل عليه صافياً.
حوّل استخدام إيران مضيق هرمز ورقة ضغط في الصراع الإقليمي سوق الشحن النفطي إلى واحدة من أكثر ساحات الأزمة حساسية. فتعطّل المسارات البحرية، وطول الرحلات، وانتظار السفن، وتحويل بعضها إلى طرق بديلة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية، عوامل تضيف كلفة جديدة إلى كل برميل نفط أو شحنة غاز تتحرك حول العالم.
لم يتوقع كثيرون أن تقفز كلفة تشغيل واستئجار ناقلات النفط الخام العملاقة من نحو 30 ألف دولار إلى أكثر من مليون دولار يومياً خلال أشهر قليلة. لكن سوق ناقلات النفط في 2026 شهدت واحدة من أعنف موجات الصعود، بعدما أدّت الحرب والتوترات المحيطة بمضيق هرمز إلى اضطراب حركة السفن، وزيادة الطلب على الناقلات المتاحة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات استثنائية.
في الظروف الطبيعية، تراوحت عوائد ناقلات النفط العملاقة على عدد من المسارات الرئيسية في فترات كثيرة بين30 و50 ألف دولار يومياً، وفق مؤشرات سوقية من بينها بيانات بورصة البلطيق.
لكن الأزمة قلبت هذه المعادلة. ففي أيلول/سبتمبر، اقتربت العوائد اليومية على بعض رحلات الخليج العربي إلى الصين من 1.2 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 40 ضعف الحد الأدنى للمستويات الاعتيادية المشار إليها.
التحويلات البحرية وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى STS خارج الشرق الأوسط تتطلب سفناً إضافية وتزيد فترات الانتظار (رويترز)
مع بداية 2026، كان سوق ناقلات النفط الخام العملاقة أكثر هدوءاً. وأظهرت بيانات S&P Global أن المؤشر القياسي لنقل النفط من الخليج العربي إلى الصين ارتفع خلال النصف الأول من كانون الثاني/يناير من 53.5 نقطة على مقياس Worldscale إلى نحو 93 نقطة، مدفوعاً بارتفاع الطلب على الرحلات الأطول وتشدد المعروض من السفن.
لكن، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تغيرت الصورة بسرعة.
ففي أواخر حزيران/يونيو، سجل مؤشر TD3C الخاص بالناقلات الضخمة على خط الخليج العربي – الصين عوائد تقارب 313 ألف دولار يومياً على أساس TCE، أي صافي العائد اليومي المكافئ بعد احتساب مجموعة من تكاليف الرحلة، وفق بيانات بورصة البلطيق. وفي أوائل آب/أغسطس، ارتفع الرقم إلى نحو 481 ألف دولار يومياً.
ثم جاءت القفزة الأكبر في أيلول/سبتمبر. ففي 15 أيلول، سجل مؤشر TD3C عائداً يقارب 1.099 مليون دولار يومياً لناقلة VLCC بسعة 270 ألف طن على مسار رأس تنورة – نينغبو. وبعد أيام، تجاوز متوسط الـTCE نحو 1.212 مليون دولار يومياً، قبل أن يصل إلى قرابة 1.235 مليون دولار في الأسبوع التاسع والثلاثين من العام.
وفي 25 أيلول/سبتمبر، أشارت رويترز إلى أن بعض عوائد ناقلات VLCC بلغت نحو 1.27 مليون دولار يومياً.
القفزة لا تتعلق بسعر الخام فقط، بل بثلاثة عناصر أساسية: المسافة، والوقت، والمخاطر. فالتحويلات البحرية وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، المعروفة باسم Ship-to-Ship أو STS ، تستدعي استخدام عدد أكبر من السفن وتزيد مدة الرحلات وفترات الانتظار.
في الوقت نفسه، تؤدي مخاطر الحرب إلى ارتفاع أقساط التأمين والتكاليف التشغيلية، بينما يصبح عدد الناقلات المتاحة فعلياً أقل. والنتيجة هي منافسة أكثر حدة بين شركات النفط والتجار والمستأجرين للحصول على السفن.
وتظهر بيانات "تومسون رويترز" أن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان تجاوزت 600 ألف برميل يومياً خلال حزيران/يونيو وتموز/يوليو، بعدما كانت محدودة للغاية في الأشهر الأولى من العام. وهذا يعني عملياً أن كل سفينة تبقى أياماً إضافية في رحلة أو عملية نقل معقدة هي سفينة تُسحب مؤقتاً من العرض المتاح، ما يرفع قيمة السفن المتبقية في السوق.
رقم 1.2 مليون دولار يومياً لا يعني أن كل ناقلة نفط في العالم تتقاضى هذا المبلغ، ولا أن مالك السفينة يحصل عليه صافياً. فالعوائد تختلف بحسب المسار، ونوع العقد، وحجم السفينة، وسعر الوقود، وفترات الانتظار، وتكاليف التأمين وغيرها من العوامل.
كما أن مؤشرات TCE تقيس العائد اليومي المكافئ للرحلة بعد احتساب بعض التكاليف، ولا ينبغي التعامل معها دائماً على أنها مجرد"سعر إيجار" مباشر للناقلة.
لكن الرسالة الأهم تبقى واضحة: الجغرافيا السياسية تستطيع، خلال أسابيع، إعادة تسعير حركة الطاقة العالمية بأكملها.