ناصر الراجح… صوتٌ عرف طريقه إلى القلوب – صابر  المحمدي

للصوت وجعٌ آخر حين يعود إلينا وصاحبه قد رحل؛ نسمعه قريبًا، كأن بيننا وبينه موعدًا لم ينقطع، ثم نتذكر أن الذي يتحدث في التسجيل لن يفتح لنا باب حديثٍ جديد، فتمتزج لذة السماع بحرقة الفقد، ويغدو الصوت الذي كان يؤنسنا بابًا للحنين، كلما فتحناه دخلت منه الذكريات، ووقف عند عتبته الدعاء. عرفت الزميل المذيع ناصر الراجح، -رحمه الله-، والتقيت به، وتحدثنا كثيرًا، واليوم أستعيد كلماتٍ كنت أحسبها تمضي بانتهاء الحديث، فإذا بها باقيةٌ في النفس، كالعطر يمكث في المكان بعد مغادرة صاحبه، ولعلنا لا نعرف مقدار ما تمنحنا صحبة الأحبة حتى نفتقدهم، فنرى في تفاصيل لقاءاتهم ما غاب عنا وهم بيننا. كان أبو سلطان يجيد فن الحوار ومهاراته بدرجة عالية، لا يقاطع متحدثًا، ويمنح الفكرة فسحتها حتى تكتمل، تصغي إليه فيحسن القول، وتحدثه فيحسن الإصغاء، فتجد لكلامك متسعًا، ولنفسك راحةً، وهذه خصلةٌ عرفتها فيه مباشرة، وحفظتها له بمحبة؛ إذ يشعر المرء مع المحاور المنصت أن كلامه موضع عناية، وأن حضوره موضع احترام. روى في لقاءٍ إعلامي عن بداياته أنه كان يهوى القراءة بصوتٍ عالٍ والإلقاء، وأن جدّه منصور، -رحمه الله-، كان يستدعيه ليقرأ أمام ضيوفه، فيضعون بين يديه كتابًا، ثم أخذوا يعطونه شعرًا، ويا لجمال ذلك المشهد؛ صغيرٌ يقرأ، وكبارٌ ينصتون، وبين القراءة والإنصات تنمو الثقة، وتستيقظ الموهبة، ولم يكن يعلم يومها إلى أين ستمضي به تلك المحبة. كبر معه هذا الشغف، فشارك في الإذاعة المدرسية خلال المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ووجد معلمًا شجعه على التوجه إلى إذاعة الرياض، ثم جاءت الفرصة في صورة مهمةٍ مدرسية؛ إيصال خطاب يطلب تسجيلاتٍ لتلاوات الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، حمل ناصر طلب المدرسة، ومضى إلى المكان الذي أحبّه، فإذا بمشوارٍ قصير يفتح أمامه طريقًا طويلًا. استقبله الأستاذ محمد الشعلان، -رحمه الله-، ووعده بتجهيز التسجيلات، وحين عاد لتسلّمها استجمع عزيمته وسأل عن إمكان التعاون مذيعًا، ولم يكن يعرف كيف يصوغ الطلب، فأملاه عليه الشعلان وأعانه على تقديمه، تلك لفتةٌ لا تستغرق من صاحبها وقتًا طويلًا، ولكن أثرها قد يمتد عمرًا، وقد حفظ ناصر ذلك الجميل، وظل يذكر صاحبه بالدعاء. اجتاز الاختبار، ووصلته رسالة القبول إلى المدرسة، ثم بدأ التدريب، واتسعت تجربته بين البرامج وقراءة الأخبار، وذكر من أعماله «المال والاقتصاد» و»الميكروفون هناك» و»كتب واكسب» و»المجلة الشعبية» و»الخيمة الشعبية»، كما أحب تقديم الأفلام الوثائقية، فتنوعت ميادين عطائه، وكان لكل ميدانٍ ما يحتاج إليه من معرفةٍ واستعداد. كان يرى اللغة والصوت والأداء أصولًا يقوم عليها عمل المذيع، ويعرف أن لكل مادةٍ طريقةً تلائمها؛ للخبر وضوحه، وللقصيدة إحساسها، وقد غذّت قراءاته في دواوين الشعر وكتب الأدب ذائقته، فأحسن الاقتراب من روح النص، ومنح الكلمات حقها، حتى تتفتح دلالاتها في السمع كما تتفتح الزهرة حين يبلغها الضوء. من طرائف ما رواه أن صاحب بقالة عرفه من صوته حين سأله عن حاجة، وهي حكايةٌ صغيرة تختصر أثرًا كبيرًا؛ مذيعٌ يدخل بيوتًا لم يزرها، ويصحب أناسًا لم يلتق بهم، ثم يعرفونه من كلمات قليلة، لأن صوته صار جزءًا من أيامهم، وتلك ألفةٌ تنسجها الإذاعة على مهل، حتى يستقر لصاحبها مكانٌ في الوجدان. آمن بأن اتساع جمهور الشاعر والكاتب يزيد مسؤوليتهما، وأن الكلمة ينبغي أن تنفع الناس، وترتقي بأخلاقهم، وتخدم وطنهم، وتبتعد عما يثير العصبية، وأحب بلاده وقيادتها، ودعا لها بالأمن والاستقرار، وأنصف الأجيال الجديدة بفهم اختلاف الأزمنة والاهتمامات، ورأى في القدوة سبيلًا إلى غرس القيم وحب المعرفة في الأبناء. برحيله فقدت الساحة الإعلامية والشعرية قامةً بارزة، وفقدنا زميلًا طابت صحبته، وما نكتبه اليوم بعض حقه علينا؛ شهادةٌ بما عرفناه، وشكرٌ لما قدمه، ومواساةٌ لأهله الذين نشاركهم الحزن، ونسأل الله أن يربط على قلوبهم، ويجعل لهم في محبة الناس له ودعائهم ما يخفف ألم الفراق. رحم الله أبا سلطان، وغفر له، وأكرم نزله، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان..