.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
كتب القس الألماني مارتن نيموللر (1892 - 1984) النص التالي في صورة اعتراف واصفاً فيه حالة الجبن التي أصابت الألمان بعد صعود النازيين إلى السلطة و قيامهم بعمليات القضاء على المناوئين لهم: "لقد بدأ النازيون معركتهم مع الشيوعيين ولم أرفع صوتي لأنني لم أكن شيوعياً. ثم جاء دور القضاء على اليهود ولم أحتج لأنني لم أكن يهودياً. ثم جاؤوا للنقابيين، ولم أرفع صوتي فلم أكن نقابياً. ثم قرروا القضاء على الكاثوليك - لم أعترض لأنني بروتستانتي... ثم جاء دوري، وهنا لم يتبق أحد ليرفع صوته دفاعاً عني!!" الذي حفّزني للتذكير بما ذكره القس نيموللر هو حال اللبنانيين المأساوي – في ظل سيطرة أركان دولة عميقة – والذي يتمظهر في اللامبالاة وعدم الاكتراث وعدم الإقدام على أي إجراء جذري في مواجهة الأوضاع الجهنّميّة السائدة... وهي حالة الجبن نفسها التي طاولت الألمان، وأدّت الى عدم مقاومة النازيين منذ اليوم الأول. الكل اعتمد على الآخر، حتى وصل الأمر إلى نيموللر نفسه فلم يتبق أحد ليرفع الصوت دفاعاً عنه.
ويقيني أن أركان تلك الدولة العميقة التي الى حينه لم - ويبدو أنها لن - ترأف بحال اللبنانيين، تعتمد مقولة خبيثة قائمة على الجلوس على ضفة النهر وانتظار ما تأتي به مياه النهر من غنائم! والظاهر أنّهم بالرغم من الأوضاع السيئة التي تمر بها البلاد، فإنّهم بانتظار سيل من الغنائم على حساب الناس! فيا للحسرة!!
والثابت أن أخطبوط الدولة العميقة والخبيثة والتي الى حينه لم يبدِ العهد الجديد عزماً على المضي لتفتيتها والقضاء عليها نجحت بالغاء "المعنى" من حياة الناس. سحبت "المعنى" وصادرته، بحيث أنه لم يعد أي أثر لصوت الناس ولوجودهم قيمة - أي أنها طمست وألغت ما وصفه فيكتور فرانكل بـ "إرادة المعنى"... بحيث أضحى صوت الناس... بلا قيمة!!
والمؤسف أن هذا هو حال اللبنانيين، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى... أستعرضها بإختصار قبل الانتقال إلى الحال المأساوي لأهلنا وأحبائنا أهل الجنوب! والظاهر أنّ "النازيين اللبنانيين الجدد"، أركان المنظومة الحاكمة، نجحوا في سلب إرادة اللبنانيين ليس فقط نتيجة عنفهم وتسلطهم أيضاً بل بسبب تشتت اللبنانيين وكسلهم وعدم مبالاتهم - حيث كل مواطن يسعى حثيثاً لـيرمي مسؤولية الثورة والانتفاضة على الآخر والتسليم بالواقع الأليم.
بقي ما يقارب حوالي النصف مليون مودع تم سلب وأكل ودائعهم كما فعلوا مع المودعين السابقين - على عينك يا تاجر - آلا يوجد عشرة بالمئة منهم (خمسون ألف مودع) يقطعون الطرقات ليلاً ونهاراً احتجاجاً على سرقة العصر!! هل يعقل انتظار 6 سنوات، ولغاية الآن لم يتم إقرار قانون الفجوة المالية؟
من يحاسب رئيس مجلس النواب نبيه برّي لعدم إدراجه قانون الـ"كابيتال كونترول" لإقراره في المجلس النيابي بعيد اندلاع الأزمة عام 2019؟ لماذا غضّت حكومات حسان دياب ونجيب ميقاتي (2019-2024) الطرف عن هدر ما يقارب 13 مليار دولار كأموال دعم؟!
وهل يعقل أن "نازييي" الدولة العميقة نجحوا بعدم إلزام المصارف بالتنازل عن الأرباح الفاحشة التي نتجت عن الهندسات المالية؟! وكذلك نجحوا بعدم تحصيل الرسوم الناجمة عن التعديات على الأملاك البحرية؟!... ولماذا لا يتم تحصيل الضرائب من الشركات التي تجني أرباحاً فاحشة ومنها شركات النفط حيثُ يقدّر حجم استيرادها بمليار دولار سنوياً. وهلى يُعقل أنّ اللبنانيين الى حينه يعانون من أزمة الكهرباء وأنّ مسؤولاً واحداً لم يُحاسب على الوضع المخزي للكهرباء... ولا ينتفضون؟ والثابت أيضاً أنّ لا مبالاة اللبنانيين جعلتهم لا يكترثون لعدم إحالة رياض سلامة وأمين سلام الى حينه الى المحاكمة، والأمر ينطبق على وزراء سابقين للاتصالات أثبت تقرير ديوان المحاسبة ضلوعهم بهدر او سرقة ما يقارب الـ 35 مليون دولار !! في المستقبل القريب سيصدر المحقق العدلي القاضي طارق بيطار تقريره النهائي حول انفجار المرفأ (وهو أكبر انفجار غير نووي بالعالم) والذي سوف يدين مجموعة من المسؤولين السابقين والإداريين. وأغلب الظن أن أحداً منهم لن يحاكم ومع ذلك، فلن نسمع صرخة من هنا أو هناك كي نقول احتجاجاً على الإفلات من العقاب... ولماذا نسمع طالما أن اللامبالاة تهيمن وتسيطر على سلوك اللبنانيين!!؟ والمؤسف أن لا مبالاتهم تتزامن مع غياب الإرادة الصلبة للعهد الجديد في اعتماد وتطبيق مبدأ المحاسبة والمساءلة!! كانت الناس تأمل أن يضع العهد الجديد - وقد مضى حوالي العامين عليه - حدّاً فاصلاً للإنهيار ورؤية الفاسدين وما أكثرهم خلف السجون... وخوفنا أن يظل كذلك... حلم ليلة صيف!! والمؤسف أن أركان الدولة العميقة يبذلون ما في وسعهم لتكريس الطائفية والمذهبية ضماناً لمكتسباتهم. وكأننا لسنا في لبنان الواحد الموحد الذي نشأنا عليه. بئس هذا الزمن، زمن الطائفية والمذهبية. سقى الله زمن وعهد الراحل الكبير الرئيس الأمير اللواء فؤاد شهاب (وهو يستحق كل ما تقدم من ألقاب) حين أنشأ دولة المؤسسات وغدا الولاء للدولة وحدها!!
لا أريد أن أتطرق إلى معضلة لبنان الكبرى بسبب الصراع بين واشنطن ونظام الملالي في إيران فلقد أضحى الأمرُ مُملاًّ بعد مئات التقارير وأُشبع هذا الموضوع بمئات التقارير والتحليلات التي نُشرت وأخرى في طريقها الى النشر... عسى أن يكون الاتفاق في حال حصوله لحساب لبنان وليس على حسابه!! ما ودّدتُ التعليق عليه في هذه العجالة هو الصمت المطلق لأهلنا في الجنوب على المآسي التي حلّت بهم. الطامة الكبرى تكمن في أن أحوال أهلنا وأحباءنا - أهل الجنوب - والمآسي المروّعة التي تعرضوا لها نتيجة حربي الإسناد التي شنّها "حزب الله" على إسرائيل والتي أسفرت عن خراب أقل ما يوصف بالمهول... لم تُحرّك ساكناً... فهل يُعقل أن يصمتوا ويمتنعوا حتى عن طرح الأسئلة - كي لا نقول الانتفاضة والاعتراض على المسار الذي تبناه "حزب الله" لخدمة مصالح إيران؟!
تُرى متى يستيقظ اللبنانيون من سباتهم العميق؟ متى ينتفضون ؟
لأول مرة في سوريا، يجد الطيران الشراعي طريقه إلى سماء اللاذقية، بعد سنوات من العمل والمحاولات لتحويل فكرة كانت طويلاً مجرد حلم إلى تجربة حقيقية يمكن للزوار خوضها.