نائل أحمد النقيب.. رائد علم الأورام في الكويت

يمكن تعريف علم الأورام (Oncology)، بأنه فرع طبي تخصصي يُعنى بالوقاية من السرطان، وتشخيصه، وعلاج الأورام الخبيثة، من خلال طرق متعددة تشمل العلاج الكيميائي، والإشعاعي، والمناعي، والهرموني، وذلك بهدف القضاء على الخلايا السرطانية وتدميرها، أو الحد من انتشارها بتحفيز جهاز المناعة، مع تقديم الرعاية الشاملة والدعم النفسي بالتزامن.وفي منطقة الخليج والبلاد العربية توجد ثلة من الأطباء المتميزين في هذا التخصص، ممن حققوا إنجازات علمية وبحثية عالمية، ويتميزون بخبرات واسعة في البروتوكولات والأبحاث ذات الصلة، أو ممن قدموا مساهمات معتبرة لجهة علاج وإنقاذ الكثيرين من المرض الخبيث. لعل من أبرز هؤلاء: البروفيسور حميد بن حرمل الشامسي من دولة الإمارات العربية المتحدة، والدكتور أكرم الإبراهيم من الأردن، والدكتور علي عبدالرزاق من العراق، والبروفيسور هشام الغزالي والدكتورة نادية زخاري والبروفيسور علي عبدالرازق من مصر، والدكتور أسامة نصيف والدكتور فوزي بخاري والدكتورة خولة الكريع من المملكة العربية السعودية، والدكتورة أنوار محمد سعيد المساعد والدكتور فريد فؤاد خليفة من مملكة البحرين، وغيرهم.على أن حديثنا في هذه المادة سيقتصر على علم من أعلام علم الأورام السرطانية في الكويت، وأحد النجباء الذي وهب حياته ووقته وجهده في سبيل تقديم خدمات طبية ورعائية متميزة لبني وطنه ممن أُبتلوا بمرض السرطان، فبرز كشخصية وطنية ذات صيت واحترام كبيرين، واحتل مكانة سامية متوهجة في قلوب ناسه وأهله.الحديث هنا عن الدكتور نائل أحمد النقيب، الذي لم يكن بروزه وتألقه واكتسابه لشعبية كبيرة بسبب تخصصه وعلمه فقط، وإنما أيضاً لكونه رجلاً استثنائياً، ومبدعاً ومخلصاً في أعماله الطبية والأكاديمية والإدارية، وصاحب رؤية مستنيرة وسديدة وقدرة فائقة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. إلى ذلك كان من أسباب تألقه، ولعه بتطوير نفسه وشغفه بتنمية قدراته المهنية والإدارية، وحرصه على إعداد كوادر طبية وطنية تخدم الكويت. لقد كان هاجس النقيب الوحيد طوال مسيرته كطبيب، ثم كمسؤول حكومي رفيع، هو رعاية مرضاه والمساهمة في تخفيف معاناتهم، بل كان «أشبه ما يكون بطبيب مقيم، مسؤوليته الأولى رعاية ومتابعة الحالات التي يعالجها من المرضى» طبقاً لما قالته زوجته السيدة سعاد السيد رجب الرفاعي (الوكيل المساعد الأسبق لشؤون التعليم العام بوزارة التربية) في حوارها مع صحيفة «الأنباء» الكويتية (19/10/2008). ومما أخبرتنا عقيلته أيضاً، أن زوجها «لم يسع يوماً للمنفعة المادية، وكان يرفض المتاجرة بعلمه لأنه كان يؤمن أن الطب ليس تجارة، لدرجة أن وزير الصحة الأسبق د. محمد الجارالله قال لي يوماً إن مرضى د. نائل الذين كانوا يأتون إليه للعيادة الخاصة كان يحولهم للقطاع العام حتى يوفر عليهم التكاليف. وكان يتحسس من مجرد سؤال المريض له عن أتعابه ويرد على الفور (لو ما تقدر أحولك للمستشفى الأميري)».أما ابنته الدكتورة ريهام، رحمها الله، فقد تحدثت عن نائل النقيب الأب، فقالت إنه كان أباً ديمقراطياً بلا حدود، وصاحب قلب كبير يسع الجميع، وزارعاً للقدوة السليمة في نفوس من تعاملوا معه مهنياً. وأضافت قائلة: إنه كان «رجل الأسرة الحنون والعطوف.. تعلمنا من والدي الكثير، وأهم ما تعلمنا منه العطاء دون انتظار المقابل وتحمل المسؤولية والالتزام وقبول الآخر... ويكفيني فخراً أنني في أي مكان أذهب إليه وبمجرد ذكر اسمي يبادر الجميع لتعداد مآثر والدنا، ولذلك مهما حققنا أنا وإخوتي من نجاحات فإننا لن نصل إلى نجاحات والدي ووالدتي. وأهم نجاحاتهما على الإطلاق هي حالة الرضا التي نتمتع بها أنا وإخوتي وهي من سمات الإنسان السوي». وأضافت، في حديثها لصحيفة الأنباء (مصدر سابق)، أن والدها كان مثقفاً، زرع فيها وفي إخوتها حب القراءة والاطلاع، وكان مغرماً بالأفلام السينمائية والرياضة، وحريصاً على أناقته ومرحاً يضفي جواً من البهجة على كل من حوله، وباختصار «كان رجلاً سعيداً متوافقاً مع نفسه راضياً بما حققه ولذلك كان يتمتع بهدوء نفسي كبير».في أكتوبر سنة 2008، أي بعد أربعة أعوام من رحيل النقيب، أقامت «لجنة حياة لرعاية مرضى السرطان» احتفالية، بحضور رئيس الحكومة الكويتية آنذاك الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح لتكريم الراحلين الدكتور النقيب وزميله الراحل الدكتور يوسف العمر، باعتبارهما من استشاريي ومؤسسي «مركز السرطان» في الكويت. وفي هذه الاحتفالية، خاطب وزير الصحة السعودي والمدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية للشرق الأوسط الدكتور حسين عبدالرزاق الجزائري الحضور قائلاً: «إن الأمة فقدت رائدَين من روّاد الطب ساهما في نهضة الكويت الصحية». وأضاف، أن الراحلين كانا من أوائل من أدرك حجم مشكلة مرض السرطان على المستويين العربي والعالمي، وأنهما بنيا جيلاً من الباحثين والعاملين في تخصص حيوي إنساني، واستطاعا من خلاله تحويل مركز الكويت للسرطان إلى مركز إقليمي عالمي. وأوضح، أن هذا التميز الذي حققه هذان الطبيبان ما هو إلا نتيجة للجهد والإخلاص في عملهما الدؤوب وعطائهما اللامحدود للوصول إلى هذه المكانة التي وصلت إليها الكويت. ومن جانبه، قال رئيس جمعية البحرين لمكافحة السرطان الدكتور عبدالرحمن إبراهيم فخرو، إن الراحلين النقيب والعمر، كانت لهما بصمة واضحة بالجهد والإخلاص في العمل على تطوير مراكز السرطان في دول الخليج، وأنهما تميزا في عملهما وساهما في تطوير ورفع مستوى أداء الكوادر الطبية الوطنية والعربية من خلال برامجهما المستمرة والندوات واللقاءات العلمية المحلية والعالمية، مشيداً بدورهما النبيل في إنشاء مركز السلمانية الطبي بمملكة البحرين. وأكد، أن مثل هذه الصفوة من الأطباء المتميزين تعد بحق نبراساً مضيئاً على طريق العمل الطبي وقدوة حسنة لزملائهم في هذه المسيرة الإنسانية لبلوغ غايتنا في التقدم والرقي بخدماتنا الصحية من أجل المريض.ولد الدكتور نائل أحمد السيد طالب النقيب بمدينة البصرة في عام 1937، ابناً لعائلة النقيب المعروفة في تاريخ الكويت والعراق، وهي من الأسر العلوية الهاشمية العريقة التي تميزت بالنفوذ والثراء في البصرة والعراق. ويعود نسبها إلى جدها النقيب أحمد الرفاعي الكبير من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب. والجدير بالذكر هنا، أن لقب «النقيب» جاء من نقابة السادة الأشراف في العهدين العباسي والعثماني، حيث تولى العديد من رموز الأسرة هذا المنصب ذا المكانة الدينية والروحية. والجدير بالذكر أيضاً، أنه خرج من صلب هذه الأسرة العديد من الأعلام البارزين في التاريخ العربي المعاصر، لعل أبرزهم السيد طالب السيد رجب النقيب (جد المترجم له)، الذي كان مرشحاً لتولي حكم العراق سنة 1920، وبعد أن ذهب عرش العراق إلى الشريف فيصل بن الشريف حسين بن علي، صار وزيراً للداخلية في الحكومة الأولى التي شكلها عبدالرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد سنة 1921.وطبقاً لما ورد في كتاب «تاريخ نزوح العائلات الكويتية العريقة إلى الكويت ودورها في بناء الدولة منذ نشأة الكويت وحتى وقتنا الحاضر» لمؤلفته السيدة فوزية صالح الرومي، نزحت أسرة النقيب إلى الكويت من البصرة قبل سنة 1900، وسكن أفرادها منطقة «جبلة» من العاصمة، وتصاهرت مع العديد من الأسر الكويتية مثل الصباح والخرافي والمساعيد والخميس والشايع والغنيم والبابطين والحمد والخطيب والرفاعي والبشر والطبطبائي والمطاوعة والتويجري وغيرها.برز من أسرة النقيب في الكويت (عدا المترجم له)، العديد من الشخصيات المؤثرة، ومنهم: «السيد خلف السيد عبدالرحمن النقيب» (صاحب المنتدى الأدبي في الحي القبلي قديماً، وصاحب فكرة بناء مدرسة الأحمدية في أواخر عام 1921، وبسبب جهوده ومكانته أطلقت الدولة اسمه على إحدى مدارس البنين بمنطقة الجهراء)، «السيد عبدالرحمن السيد خلف النقيب» (عينه الشيخ أحمد الجابر الصباح عضواً في أول مجلس للأعيان بالكويت سنة 1920، وعضواً في الهيئة الإدارية المشرفة على المدرسة الأحمدية، وعضواً في الهيئة المشرفة على المكتبة العامة)، «السيد هاشم السيد أحمد النقيب» (من الشخصيات الكويتية التي اتصفت بالورع وحب العلم وتقدير العلماء، وقد سكنت حي الشرق من العاصمة حيث توجد نقعة (حوض للسفن) تحمل اسمه)، «السيد حامد السيد رجب النقيب» (مؤسس شركة السيارات الكويتية العراقية في سنة 1926 برأسمال قدره مائة ألف روبية وبموجب امتياز لمدة 50 سنة منحه إياه الشيخ أحمد الجابر الصباح آنذاك من أجل تسهيل نقل الركاب برا بين الكويت والبصرة)، «الدكتور خلدون حسن خالد النقيب» (رائد علم الاجتماع في الكويت. تولى عمادة كلية الآداب بجامعة الكويت، وترأس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية باللغة الإنجليزية، ونال عضوية العديد من الهيئات والجمعيات العلمية داخل الكويت وخارجها، وأصدر دراسات وبحوثاً وعدداً من المؤلفات في السوسيولوجيا)، «باسل شمس الدين النقيب» (اقتصادي ومصرفي كويتي بارز. تولى إدارة مركز البحرين الدولي للاستثمار، وحصل على عضوية جمعية المصرفيين العرب في لندن وعضوية جمعية المحللين الماليين في نيويورك، وأصدر العديد من المقالات والبحوث الاقتصادية والمالية المنشورة في الدوريات العالمية). مسيرة في الطب والإدارةوبالعودة إلى سيرة المترجم له، نجد أنه أكمل تعليمه الثانوي بمدرسة العشار الثانوية في البصرة، حيث كان والده يعمل مديراً للجمارك، ثم توجه إلى بغداد للالتحاق بكلية الطب هناك، فتخرج من جامعة بغداد في عام 1960، حاملاً درجة البكالوريوس في الطب. ثم أمضى ثلاث سنوات في البصرة يعمل كطبيب مقيم قبل أن ينتقل إلى الكويت للإقامة والعمل والانضمام إلى أهله وأبناء عمومته. واصل النقيب بعد ذلك دراسته وتدريبه لنيل الزمالة، فنالها في عام 1969 من كلية الجراحين الملكية في أدنبرة بأسكتلندا. وحينما عاد إلى الكويت، تم تعيينه طبيباً في وزارة الصحة في عام 1963 في عهد وزيرها عبدالعزيز حمد الصقر، لينتقل للعمل الأكاديمي في كلية العلوم بجامعة الكويت فور بدء الدراسة فيها سنة 1966. غير أنه لم يستمر طويلاً في هذه الكلية، فبعد نحو عام، أي في سنة 1967، تقرر ابتعاثه إلى الخارج للتخصص، فسافر إلى الولايات المتحدة وتخصص هناك في سرطان الرأس والرقبة والجراحة العامة، علاوة على حصوله على دورات ذات علاقة بمرض السرطان في جامعة هارفارد العريقة. ونظراً لشغفه الكبير بالأبحاث والتدريس، تم تعيينه في العام 1976 كأستاذ مشارك في قسم الجراحة بكلية الطب التابعة لجامعة الكويت. وفي العام التالي (1977)، اختير لرئاسة قسم الجراحة في المستشفى الأميري، وفي هذا العام أيضاً كان على موعد لتولي أول مناصبه الإدارية في الدولة، حيث تم تعيينه وكيلاً مساعداً لوزارة الصحة للشؤون الفنية، فجمع بين وظيفتيه كوكيل وطبيب جراح، ليحصل بعد فترة وجيزة على ترقية ويصبح وكيلاً لوزارة الصحة زمن وزيرها الأشهر الدكتور عبدالرحمن عبدالله العوضي. تأسيس صرح لمكافحة السرطانمن المآثر الكثيرة والبصمات الخالدة التي تركها النقيب خلفه، بعد وفاته وهو نائم في سريره مساء يوم 30 يناير 2004 عن 66 عاماً، أنه وضع الأسس العلمية الأولى لخدمة مرضى السرطان، من خلال إيجاد أول سجل لهؤلاء المرضى في الكويت عام 1974، ثم جاء إسهامه الأكبر في هذا المجال، حينما بذل جهداً خارقاً مع زميله الدكتور يوسف العمر في تأسيس وافتتاح «مركز حسين مكي الجمعة للجراحة التخصصية» (مركز الكويت لمكافحة السرطان لاحقاً)، الذي يعد أحدث مراكز العلاج الإشعاعي أو الكيماوي في المنطقة، بل وأفضلها لجهة احتضانها لجميع التخصصات الدقيقة التي يحتاجها مريض السرطان والطبيب المعالج للسرطان مثل قسم المختبرات الكبيرة التي تضم مختبر الخلايا، وهو أول مختبر خلايا في الشرق الأوسط. وتضم أيضاً قسم الأشعة الفيزيائية الحديثة المجهز بأجهزة نادرة. وفي هذا السياق، قالت السيدة عقيلته ما مفاده، إن فكرة تأسيس هذا المركز الطبي المتميز، (بكلفة 7.5 مليون دينار كويتي من مال النائب ورجل الأعمال حسين مكي حسين الجمعة)، استولت بالكامل على تفكيره، فلم يكن في حياته في تلك الفترة هاجس سوى إنشاء المركز وافتتاحه، ولذلك كان في اجتماعات يومية ومتابعة شخصية لأدق التفاصيل مع فريق العمل، ثم جاء يوم الافتتاح في يوليو 1982، فكان من الأيام المميزة في حياته وكانت سعادته لا توصف.