يقتضي الوعي الثقافي عدم الاكتفاء بمشاهدة المثمنات الثقافية للموروثات الممتدة على طول الوطن وعرضه، أو حتى الإشادة بها فقط.! فالثقافة هي جذور متأصلة ثابتة وقوية، وعلينا أن نقرأها بوعي فاطن ونضيف عليها من نتاج وعينا ومن قدرة معارفنا، علينا أن نعيد قرأتها بوصفها إرثا حضاريا ومثمنات ثقافية قابلة للتفعيل الثقافي الفكري، وكذا الاقتصادي والتجاري، ويجب أن لا تقتصر جهودنا على الجوانب السياحية على أهمية ذلك، بل نفعل الجوانب الإنتاجية في اتجاهاتها المختلفة بناء على المعطيات التاريخية والاجتماعية، فالمراحل الزمنية المتفاوتة على البعد الثقافي أيا كان ماديا أو غير مادي يجب أن تُعاد قراءته حسب ميول وموهبة القارئ أو المتلقي، وقد تكون القراءة ثقافية فكرية تتمثل في مقالات مطولة تشرح ذلك البعد الثقافي أو رواية تقرأ تلك المراحل في أبعاد المكان، وتغوص في صفوف المجتمع، أو تكون القراءة فنية كالتصوير الفوتوغرافي واللوحات التشكيلية، وهذا بالتأكيد يشكل حالة إنتاج جديدة وتتيح للمتلقي الوصول إلى الأبعاد الثقافية والتاريخية بأكثر من طريقة، الأهم هو أن نحقق البعد الإنتاجي ليصل للجميع، ونوصل تلك المثمنات الثقافية بطرق مختلفة ومتعددة، وهذا الانتقال المتعدد في صوره وأشكاله، يجعل سيرورة واستدامة للثقافة، ويتحقق من ذلك جوانب اقتصادية ويترتب عليها زيادة المساحة لوظائف شغل جديدة، فالعلاقة تكون طردية تزيد عملية التراكم المعرفي وتزيد تبعات ذلك ويحضر المنتج الثقافي على سوقه إن المثمنات الثقافية وارثنا الحضاري لم يكن بعيدا عن المجتمع وحراك الناس، بل هو اليوم يُعدّ أكثر التصاقا بهم، وباتت الثقافة نمط حياة وتمارس بشكل يومي ويتشارك فيها الجميع، ولهذا برز مؤخرا إحدى عشر هيئة عن وزارة الثقافة كلها تدور في فلك ثقافتنا وبشموليةٍ تتعاطى معها، كذلك من مقتضى وعينا الثقافي أن نعيش هذا الواقع الجديد ببعده الفكري والإنتاجي نحو اتساع يضع الثقافة في الواجهة، وأن نتلمّس الفرص ونزيد من حيز مجالها، وأن نقدّم الآراء والمقترحات لتنتظم في سياق مراحل تبعات تطور مطرد وبشكل تصاعدي مستمر، وهذا الاتساع ترفده رؤية المملكة التي هيأت الفرص لإعادة إحيائه واستغلال قدرات إنتاجه، فإذا كان التراث هو ثمرة جهد إنسان الماضي وخِبرة وعطاءات من سبقونا، فإن من مبادئ احترام ما ورثناه أن نبني عليه ونضيف أليه ما يجعله يستمر ويزدهر لمساحات أخرى تليق به، وبات من الضرورة أن نضيف على ثقافتنا لتكون ضمن التعاطي الواسع السياحي والاقتصادي، والجميع يدرك أننا عندما نقدم ثقافتنا بطابعها الجديد فان ذلك يتجاوز بعدها المكاني لتكون ضمن الواجهة العالمية وضمن دوائر الأعلام العالمي في البث المرئي أو المقروء أو التواصل الثقافي الفكري كالمعارض والفعاليات الدولية وغيرها، ولا نكون بذلك صانعين إلا ما كان مستحقا وبجدارة وخليق أن يكون ضمن دائرة الضوء كإرث إنساني، حيث شكلت الجزيرة العربية مهدا للحضارات وتتوسط هذا العالم، وتعاقب عليها حضارات متعددة من فجر التاريخ ولم تعش فترات الاستعمار، الأمر الذي يقدمها كبيئة عفوية وبكر وذات طابع خاص متفرد وذات استقلال فكري وحضاري مما يزيد أهمية التعرف على مراحل سحيقة غائرة في عمق التاريخ، ولهذا آن الأوان أن نتقدم خطوة نحو تأسيس مدارس ثقافية وأن تكون حاضرة في مستوى معرفي وثقافي واجتماعي وتاريخي، وأن يكون نتاجها الثقافي متداولا بين الجميع ليتم إعادة قراءة الثقافة بشكل أعمق. وما يثلج الصدر ويسر الخاطر ويجعلنا أكثر تفاؤلا في هذا الاتجاه، هو زيارة سمو وزير الثقافة مؤخرا لعالم الانثروبولوجيا الدكتور سعد الصويان في منزله، وهذا لاشك يعد تكريما للثقافة عموما وللمثقف على وجه الخصوص، فالصويان شخصية ثقافية شكلت مدرسة سبقت عصرها في توثيقه وكذا جهوده البحثية، ويستحق نتاجه الثقافي والفكري أن يكون اليوم ضمن المشهد ليعاد إنتاج قراءته بكل أوجهه على سعة ثقافتنا المتنوعة، وذاك هو ما يقتضيه وعينا الثقافي في هذه المرحلة.