مُعاقبة منتقدي حظر الحجاب: «اعتذارات» إردوغان لا تُرضي علييف

أفضت المواجهة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ونظيره الآذربيجاني، إلهام علييف، حول قضية منع باكو الطالبات والمعلّمات في المدارس والجامعات من ارتداء الحجاب، إلى تراجع الأوّل عن عتبة التصعيد، بعدما بدا أن العلاقة «الأخوية» التي تربط البلدَين توشك على الانفجار. وتجلّى جانب من هذا التراجع في إقدام مستشار إردوغان، أوكتاي سرال، الذي تَصدّر الحملة التركية المنتقِدة للقرار الآذربيجاني، على تقديم استقالته الأحد الماضي، بناءً على طلب من الرئيس، في وقت تحدّثت فيه تقارير إعلامية عن اشتراط علييف إقالة سرال قبل البحث في إصلاح الخلل الذي ضرب العلاقات. وسبق أن طالب المستشار المذكور، باكو، بالتراجع عن خطوتها، متسائلاً: «أيّ ضمير أو شعور بالعدالة يسمح بترك طالبة مُحجّبة لقناعة دينية، أن تقف عند بوابة المدرسة؟»، ليردّ عليه علييف باتّهامه تركيا بالتدخّل في الشؤون الداخلية لآذربيجان، ودعوته إيّاها إلى «عدم حشر أنفها في ما لا يعنيها». ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل راجت في الأوساط الآذربيجانية المُقرّبة من السلطة اتهامات لأنقرة بالسعي إلى تدبير انقلاب عسكري ضدّ علييف، وبأنها تحمل طموحات «عثمانية» إلى الهيمنة. كما أصدرت حكومة آذربيجان مذكّرات اعتقال دولية في حقّ أكثر من 30 شخصية تركية - من بينها رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح إربكان، المُمثّل في البرلمان بعدد من النواب -، كانت دانت القرار الآذربيجاني المتّصل بالحجاب.

لكنّ إقالة سرال لم تمرّ مرور الكرام في تركيا، إذ اتّهم أربكان، إردوغان بأنه انحنى أمام علييف، فيما رأى آخرون أن الرئيس التركي خسر، خلال أقلّ من شهر، قضيتَين أخلاقيتَين، هما سرقة ودائع المواطنين في صناديق الاستثمار من قِبل مسؤولين كبار في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، والخلاف حول الحجاب مع آذربيجان، علماً أن رئيس حزب «الديمقراطية والتقدّم»، علي باباجان، قدّر كلفة «سرقة القرن» بـ150 مليار دولار. والظاهر أن إردوغان لم يرغب في تحويل قضية الحجاب إلى خسارة استراتيجية في السياسة الخارجية، تفضي إلى تضييع الصداقة مع باكو. فآذربيجان، بالنسبة إلى تركيا، هي مفتاحها البرّي إلى آسيا الوسطى والعالم التركي، وركيزة النفوذ في القوقاز في مواجهة روسيا وايران. كما أن إردوغان لا يريد ترك باكو لقمة سائغة لتل أبيب، ولا سيما في ذروة التوتّر بين الأخير وأنقرة، فضلاً عن أن آذربيجان تمثّل بلداً مهمّاً بالنسبة إلى تركيا على صعيد استيراد الطاقة وعبور الغاز والنفط الآذربيجانيَّيْن إلى العالم.

لم يرغب إردوغان في تحويل قضية الحجاب إلى خسارة استراتيجية في السياسة الخارجية

هكذا، وعلى الرغم من إن إردوغان وجد نفسه، في خضمّ الاحتفال بالعيد الـ103 لإعلان الجمهورية التركية أمس، أمام موقف حرج مرتبط بالقيم الدينية والأخلاقية التي بنى جانباً من صعوده السياسي على الدفاع عنها - ومن بينها الحجاب الذي نجح في إقرار السماح بارتدائه في كلّ المؤسسات، حتى العسكرية منها -، فهو اختار إصلاح الأمور سريعاً مع آذربيجان، قبل انعقاد القمة الدورية للدول الناطقة باللغة التركية اليوم، والتي من شأنها أن تفتح الباب على تسوية الأزمة بين البلدَين. ومن هنا، بدت إقالة سرال بالنسبة إلى إردوغان بمثابة تجرّع للسمّ لا بدّ منه، سرعان ما أتبعه باعتقال العديد من الشخصيات التركية التي أعلنت باكو حظر دخولها البلاد.لكنّ المفاجأة أن القمّة التي راهن إردوغان عليها لمعالجة الخلافات التي ظهرت على سطح العلاقات في السنتَين الأخيرتَين، لن تشهد حضور علييف، إذ أعلنت باكو، مساء أمس، عبر وكالة «ريبورت» الإخبارية، أن الرئيس لن يشارك في القمّة لانشغالاته المُكثّفة، وارتباطه بمواعيد رياضية في اليوم التالي، وسيمثّله فيها وزير الخارجية، جيحون بايراموف. وهذا ما لن يريح إردوغان، وقد يكون من شأنه إدخال العلاقات في نفق مجهول، علماً أن الرئيس التركي لم يشارك شخصياً في قمة «سيكو» الإقليمية التي انعقدت قبل أكثر من أسبوعَين، وأرسل إليها وزير خارجيته، حاقان فيدان.