أشادت معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة بالتجربة السعودية في صون التراث العمراني وإحياء المدن التاريخية، ووصفتها بأنها رائدة في استقطاب السياحة النوعية، مستشهدة بمشروعات العلا وجدة التاريخية والدرعية، وما تعكسه من عناية بالهوية الثقافية. جاء ذلك خلال استضافتها في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، ضمن سلسلة "حديث المكتبة"، في لقاء بعنوان "الثقافة وذاكرة المكان.. حكايات وتقاطعات"، استعرضت فيه مسيرتها في إحياء البيوت التاريخية وتحويلها إلى فضاءات ثقافية. واستعادت الشيخة مي بداية تجربتها من مكتبة والدها التي آلت إليها بعد وفاته عام 1986، حيث وجدت مخطوطات ورسائل متبادلة مع أدباء ومفكرين عرب، بينها مراسلات لأمين الريحاني، دفعتها إلى البحث في سيرة جدها الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة. ومن الوثائق إلى الكتب، ثم إحياء مجلسه القديم بالمحرق، تشكّل مشروع مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، الذي افتُتح عام 2002 ويحتفي بمرور خمسة وعشرين عامًا على تأسيسه في يناير 2027.. وأكدت أن ترميم الأبنية القديمة يتطلب خبرات متخصصة تحترم مواد البناء وتفاصيله الأصلية، مع توظيف التجهيزات لخدمة الزائر دون تشويه المكان. واستشهدت بتجربتها في العلا، حيث جرى تأهيل بيت تاريخي مع الحفاظ على ملامحه وإضافة عناصر جمالية حديثة. وشددت على أن الحفاظ على الأحياء التاريخية يشمل سكانها؛ إذ استعرضت جهود تشجيع عائلات بالمحرق على البقاء والعودة إلى منازلها بعد ترميمها، وقالت إن المكان يفقد روحه برحيل أهله. ولفتت إلى أن الفعاليات الثقافية أعادت الزوار إلى الأحياء القديمة، وبينهم سعوديون، لكنها أبدت تحفظها على طغيان المقاهي والمطاعم على رسالتها الثقافية، داعية إلى التوازن بين الجذب السياحي وحياة السكان. ورأت أن محبة المكان، وأحيانًا الغضب من إهماله، تصنعان الدافع إلى حمايته، لكن التشريعات والاختصاص والتمويل ضرورية لاستمرار ذلك. وأشارت إلى أن مدنًا عربية فقدت بعض معالمها التاريخية أو تعرضت للإهمال، مؤكدة ضرورة وجود قواعد واضحة للمحافظة على الأبنية والأزقة والواجهات، وأن تتكامل حماية المباني مع احتياجات سكانها. ودعت إلى إنشاء صندوق عربي للآثار يستفيد من تجربة الصندوق العالمي للآثار في إنقاذ المواقع المهددة، ومنها متحف الموصل، متسائلة: "لماذا لا يكون هناك صندوق عربي للآثار يسعى إلى ترميم المواقع ويحافظ عليها؟". وكشفت عن مساعٍ لترميم بيت تاريخي بالقاهرة ضمن مشاريع مركز الشيخ إبراهيم، وعن تطلعها إلى امتداد التجربة مستقبلًا إلى السعودية، دون إعلان مشروع محدد. وأوضحت أن المشروعات الثقافية لا تقوم على الجهود الفردية وحدها، مستعرضة تجربة "الاستثمار في الثقافة" في جمع دعم المؤسسات والأفراد والقطاع الخاص. وأشارت إلى "منامة القصيبي"، أحد بيوت المركز التي تحتفي بإرث الأديب السعودي غازي القصيبي، بوصفها مثالًا على صلة الثقافة بذاكرة المكان. وفي حديثها عن الأجيال المقبلة، أكدت أن غرس الهوية يبدأ من المنزل، وأن مكتبات "اقرأ" وتوثيق التراث الشفهي والوسائط الرقمية تسهم في نقل الذاكرة للأطفال. وتوقفت عند دور البودكاست في إيصال المعرفة خارج قاعات الجامعات، مشددة على أن التقنيات تستطيع نشر المحتوى، لكنها لا تستطيع تعويض الحس الإنساني بالفن والعمارة وخصوصية المكان وقيمته التاريخية الأصيلة. وشددت على أن العالمية تبدأ من خصوصية الثقافة المحلية، مختتمة تأكيد عمق الروابط بين البلدين بقولها: "السعودية لا تغيب عن البحرين، والبحرين لا تغيب عن السعودية"