لا تبدأ المعرفة بإجابة، بل بسؤال.! فكل فكرة عظيمة، وكل اكتشاف مؤثر، وكل نهضة فكرية، كانت في الأصل سؤالًا جريئًا سبق الإجابة، وفتح بابًا لم يكن مطروقًا ، وهو الأمر الذي يدعونا للتفكير . غير أن المتأمل في بعض المشاهد الثقافية والأدبية اليوم يلحظ مفارقة لافتة، فالإجابات تتكاثر، بينما تتراجع الأسئلة ، وبالذات الملح والمهم منها . تتكرر الموضوعات، وتتشابه الطروحات، ويدور الحوار في دائرة مغلقة، حتى أصبح السؤال المختلف يُنظر إليه أحيانًا بوصفه إزعاجًا، ومضايقة ، لا فرصةً للتأمل والتحسين والتطوير . ولعل أكثر ما يثير القلق أن بعض الاجتهادات في تنظيم الفعاليات واللقاءات الثقافية، رغم ما تبذله من جهود تُشكر عليها، تظن أن نجاحها يعني الاكتفاء بما وصلت إليه. فتخشى السؤال، وتتحسس من النقد، وتتعامل مع أي ملاحظة على أنها انتقاص من العمل، لا محاولة للارتقاء به. ومع مرور الوقت، يتحول النجاح إلى منطقة راحة، ويتراجع التطوير أمام الرغبة في تكرار ما نجح سابقًا، فيكون الركود الثقافي. والحقيقة أن أي مشروع ثقافي لا يطرح على نفسه أسئلة صعبة، ولا يفتح بابه للنقد المسؤول، يفقد تدريجيًا قدرته على التجدد. فالثقافة لا تنمو بالتصفيق المتكرر وحده، ولا تتقدم بالمجاملات التي لا تخدم الأدب والثقافة ، بل تتقدم حين تراجع نفسها، وتستمع إلى الرأي المختلف، وتؤمن أن كل تجربة قابلة للتحسين مهما بلغت من النجاح. إن السؤال ليس تشكيكًا، والنقد ليس خصومة، بل هما من أهم أدوات التطوير. والمؤسسات الثقافية والأدبية التي تترسخ وتؤثر هي تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الكمال ليس غاية تُدرك، وأن كل فعالية ناجحة يمكن أن تكون أفضل في المرة التالية عندما نعرف السلبيات ونعالجها، ونؤمن بفرص التحسين . وليس المقصود هنا التقليل من الجهود أو التقليل من قيمة المنجزات، بل العكس تمامًا. فالاحترام الحقيقي لأي عمل ثقافي يكون بالإسهام في تطويره، لا بالاكتفاء بالتصفيق له. أما تحويل أي اجتهاد إلى مساحة مغلقة لا تُسأل ولا تُناقش، فهو بداية الجمود، مهما بدا المشهد في ظاهره حيويًا وجميلًا. إن الثقافة التي تخشى السؤال، تخشى التجديد. والثقافة التي ترفض النقد، ترفض في الوقت نفسه فرصة النمو. لذلك فإن ازدهار المشهد الثقافي لا يُقاس بعدد الفعاليات ولا بزخم الحضور، بل بقدرته على أن يسأل نفسه بعد كل تجربة: ماذا أحسنا؟ وماذا كان يمكن أن يكون أفضل؟ فالسؤال لا يهدم المنجز، بل يحميه من التكرار. والنقد الصادق لا يقلل من قيمة النجاح، بل يمنحه فرصةً جديدة ليصبح أكثر نضجًا وأبقى أثرًا وهذا الأمر يجب أن تدركه وتسعى له كل مؤسسة ثقافية وأدبية تريد النجاح والتميز.