مهلةُ الاكتشاف – نجلاء العتيبي

«العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرءُ أمام عقله». - فيودور دوستويفسكي.

لست مع العزلة الاجتماعية التي تفصل الإنسان عن محيطه، فصلة المرء بالناس ضرورةٌ تمنح حياته اتساعها الإنساني إلا أنه يحتاج بين حينٍ وآخر إلى مهلةٍ تخصُّه وحده؛ ينسحب فيها قليلًا من حركة الأيام، ليتبيَّن ما أحدثته فيه من غير أن يشعر.

يمتلئ الجدول، تتجاور المواعيد، وتتوالى المهمات حتى يصبح اليوم مساحة محجوزة بالكامل، وقد يعتاد الإنسان هذا الامتلاء إلى درجة يظنُّه دليلًا على جودة حياته، مع أنه قد يكون ستارًا أنيقًا يحجب عنه حقيقة ابتعاده عن نفسه، ينتهي من شأنٍ ليدخل في آخر، ويعبر أسابيعه بكفاءة ظاهرة، فيما تبقى أسئلته الشخصية مُعلَّقة، لا تجد وقتًا كافيًا كي تكتمل.

ليس أخطر ما يفعله الانشغال أنه يُرهق الجسد، وإنما أنه يجعل المرء يعيش زمنه وفق ما يطرأ عليه، لا وفق ما يختاره، تتقدَّم الضرورات إلى الواجهة، وتتراجع الرغبات الأصيلة حتى تفقد أسماءها، وبعد أعوامٍ قد يعرف الإنسان كيف يُدير مسؤولياته بإتقانٍ، ولا يعرف أيَّ حياة كان سيختار لو مُنح فرصة الإصغاء إلى ميوله الأولى.

الموهبة تحديدًا لا تأتي دائمًا في هيئة قدرة واضحة تتطلب الاعتراف، قد تبدأ بانجذاب غامض نحو لون، أو فكرة تلازم صاحبها، أو متعة يجدها في عمل يراه الآخرون عاديًّا، تحتاج هذه الإشارات إلى فراغ يستقبلها، وإلى ذهن لم تستولِ عليه قائمة طويلة من المطلوبات، فكم من موهبة ظلَّت مجهولة، لا لضعفها، وإنما لأن صاحبها لم يلتقِ بها في موعد خالٍ من الاستعجال.

الخلوة الواعية لا تعني مغادرة الحياة، وإنما الوقوف خارج سرعتها مدة تكفي لرؤيتها؛ فحين ينفرد الإنسان بذاته، تنكشف له الفروق الدقيقة بين ما يلائمه وما أتقن احتماله، وبين الرغبة التي تخصُّه والعادة التي ورثها من تكرار الأيام، وهناك أفكار لا تظهر في المجالس، ولا تنضج أثناء الحركة؛ بل تحتاج إلى عقل غير مشغول بالدور التالي الذي عليه أداؤه.

نمنح بيوتنا وقتًا لإعادة ترتيبها، ونعيد النظر في أعمالنا ومقتنياتنا، بينما نترك أعمارنا الداخلية تتكدس فيها اختيارات منتهية، وأحلام مؤجَّلة، وقدرات لم تُختبَر، ومع طول التأجيل، تتكوَّن مسافة خفية بين الإنسان وحقيقته؛ يواصل حياته بصورة مقنعة، لكنه يعجز عن الإجابة حين يسأل نفسه: ماذا أحب بعيدًا عما اعتدت؟

لا يحتاج الأمر إلى انقطاع طويل أو وحدة قاسية؛ فقد تكفي ساعةٌ لا يطالب فيها المرء نفسه بإنجاز شيء؛ يمشي، يقرأ، يكتب، أو يراقب أفكاره وهي تستعيد ترتيبها الطبيعي، تلك الساعة ليست وقتًا فائضًا، إنها حق العقل في أن يرى صاحبه من دون وساطة الجدول.

فالإنسان لا يضيع من نفسه مرة واحدة؛ يتنازل عنها في أجزاء صغيرة، كلما منح انشغاله الأولوية المطلقة، وربما تبدأ استعادتها من موعد لا يُدوّنه في تقويمه، يجلس فيه أمام عقله، ليتعرَّف إلى الحياة التي كانت تنتظره داخله.

«كلُّ فسحةٍ نمنحها لأعماقنا تُعيد إلينا احتمالًا منسيًّا؛ فقد تحمل لحظة التأمل موهبة تغير وجه العمر، وتُوسّع نصيبنا من المعنى والجمال».

«العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرءُ أمام عقله». - فيودور دوستويفسكي.

لست مع العزلة الاجتماعية التي تفصل الإنسان عن محيطه، فصلة المرء بالناس ضرورةٌ تمنح حياته اتساعها الإنساني إلا أنه يحتاج بين حينٍ وآخر إلى مهلةٍ تخصُّه وحده؛ ينسحب فيها قليلًا من حركة الأيام، ليتبيَّن ما أحدثته فيه من غير أن يشعر.

يمتلئ الجدول، تتجاور المواعيد، وتتوالى المهمات حتى يصبح اليوم مساحة محجوزة بالكامل، وقد يعتاد الإنسان هذا الامتلاء إلى درجة يظنُّه دليلًا على جودة حياته، مع أنه قد يكون ستارًا أنيقًا يحجب عنه حقيقة ابتعاده عن نفسه، ينتهي من شأنٍ ليدخل في آخر، ويعبر أسابيعه بكفاءة ظاهرة، فيما تبقى أسئلته الشخصية مُعلَّقة، لا تجد وقتًا كافيًا كي تكتمل.

ليس أخطر ما يفعله الانشغال أنه يُرهق الجسد، وإنما أنه يجعل المرء يعيش زمنه وفق ما يطرأ عليه، لا وفق ما يختاره، تتقدَّم الضرورات إلى الواجهة، وتتراجع الرغبات الأصيلة حتى تفقد أسماءها، وبعد أعوامٍ قد يعرف الإنسان كيف يُدير مسؤولياته بإتقانٍ، ولا يعرف أيَّ حياة كان سيختار لو مُنح فرصة الإصغاء إلى ميوله الأولى.

الموهبة تحديدًا لا تأتي دائمًا في هيئة قدرة واضحة تتطلب الاعتراف، قد تبدأ بانجذاب غامض نحو لون، أو فكرة تلازم صاحبها، أو متعة يجدها في عمل يراه الآخرون عاديًّا، تحتاج هذه الإشارات إلى فراغ يستقبلها، وإلى ذهن لم تستولِ عليه قائمة طويلة من المطلوبات، فكم من موهبة ظلَّت مجهولة، لا لضعفها، وإنما لأن صاحبها لم يلتقِ بها في موعد خالٍ من الاستعجال.

الخلوة الواعية لا تعني مغادرة الحياة، وإنما الوقوف خارج سرعتها مدة تكفي لرؤيتها؛ فحين ينفرد الإنسان بذاته، تنكشف له الفروق الدقيقة بين ما يلائمه وما أتقن احتماله، وبين الرغبة التي تخصُّه والعادة التي ورثها من تكرار الأيام، وهناك أفكار لا تظهر في المجالس، ولا تنضج أثناء الحركة؛ بل تحتاج إلى عقل غير مشغول بالدور التالي الذي عليه أداؤه.

نمنح بيوتنا وقتًا لإعادة ترتيبها، ونعيد النظر في أعمالنا ومقتنياتنا، بينما نترك أعمارنا الداخلية تتكدس فيها اختيارات منتهية، وأحلام مؤجَّلة، وقدرات لم تُختبَر، ومع طول التأجيل، تتكوَّن مسافة خفية بين الإنسان وحقيقته؛ يواصل حياته بصورة مقنعة، لكنه يعجز عن الإجابة حين يسأل نفسه: ماذا أحب بعيدًا عما اعتدت؟

لا يحتاج الأمر إلى انقطاع طويل أو وحدة قاسية؛ فقد تكفي ساعةٌ لا يطالب فيها المرء نفسه بإنجاز شيء؛ يمشي، يقرأ، يكتب، أو يراقب أفكاره وهي تستعيد ترتيبها الطبيعي، تلك الساعة ليست وقتًا فائضًا، إنها حق العقل في أن يرى صاحبه من دون وساطة الجدول.

فالإنسان لا يضيع من نفسه مرة واحدة؛ يتنازل عنها في أجزاء صغيرة، كلما منح انشغاله الأولوية المطلقة، وربما تبدأ استعادتها من موعد لا يُدوّنه في تقويمه، يجلس فيه أمام عقله، ليتعرَّف إلى الحياة التي كانت تنتظره داخله.

«كلُّ فسحةٍ نمنحها لأعماقنا تُعيد إلينا احتمالًا منسيًّا؛ فقد تحمل لحظة التأمل موهبة تغير وجه العمر، وتُوسّع نصيبنا من المعنى والجمال».

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.