من 600 إلى 10 آلاف جنيه للدولار… كيف أعادت الحرب رسم اقتصاد السودان؟

لم يعد انهيار الجنيه السوداني مجرد اضطراب في سوق الصرف، بل بات انعكاساً لأزمة اقتصادية ومعيشية اتسعت منذ اندلاع الحرب في نيسان (أبريل) 2023.

من نحو 600 جنيه للدولار قبل الحرب إلى قرابة 10 آلاف جنيه في السوق الموازية، فقدت العملة المحلية جانباً كبيراً من قيمتها، بالتزامن مع تعطل النشاط الإنتاجي وتراجع مصادر النقد الأجنبي وارتفاع تكاليف المعيشة، في اقتصاد يواجه ضغوطاً متزايدة على الأسواق والواردات والأمن الغذائي.

وفي ظل هذه الضغوط، يتراوح سعر الدولار في السوق الموازية خلال الفترة الحالية بين قرابة 9,800 و10,350 جنيهاً، في مقابل نحو 4,500 جنيه للشراء و4,533 جنيه للبيع في بعض المصارف الرسمية، وفق الأسعار الواردة لبنك أم درمان الوطني وبنك الجزيرة السوداني الأردني.

ويزيد من هذه الضغوط رفع هيئة الجمارك السودانية سعر الدولار الجمركي مؤخراً من 4,346.65 إلى 5,631.76 جنيه، بزيادة 29.6%، ما يهدد بارتفاع تكلفة الواردات وانتقال جزء من الأعباء إلى المستهلكين.

في موازاة اختلالات سوق الصرف، أدى استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية وتعطيل التجارة والنقل، ما قلص قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، في وقت تتراجع فيه الصادرات في مقابل استمرار الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد والادخار والتحوط من انخفاض العملة.

وفي تفسيره لهذه الضغوط، يقول الخبير الاقتصادي السوداني هيثم فتحي، في تصريحات خاصة، "إن تراجع الجنيه لا يمكن اختزال أسبابه في عامل واحد، بل يعكس تداخل عوامل داخلية وخارجية، أبرزها تراجع أعداد الزائرين والسودانيين الوافدين والتحويلات، إلى جانب تأجيل المستثمرين قرارات ضخ رؤوس الأموال في ظل الضبابية الإقليمية".

ويضيف "أن استمرار ارتفاع الواردات في مقابل ضعف الصادرات، وعدم تعافي القطاعين الصناعي والزراعي بالسرعة المطلوبة، يزيد الطلب على الدولار ويعمق الضغوط على سعر الصرف".

وتنعكس هذه الاختلالات على الأوضاع المعيشية، إذ ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 28.29% في أيلول (سبتمبر) 2026، في مقابل 26.14% في آب (أغسطس)، وفق الجهاز المركزي للإحصاء السوداني، فيما بلغ 40.35% في المدن و21.18% في الريف، وارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات سنوياً بنسبة 36.81%.

وعلى أرض الواقع، تتجلى الضغوط في الخرطوم بطوابير الوقود وإغلاق بعض المخابز مع ارتفاع أسعار الدقيق، وسط تداعيات الحرب المستمرة منذ نيسان (أبريل) 2023، والتي أودت بحياة 59 ألف شخص على الأقل، وتسببت في نزوح نحو 13 مليوناً، فيما يحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.

ومع تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج، تزيد خسائر الجنيه تكلفة السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، فيما يحد نقص الدولار من تمويل الواردات واستقرار الإمدادات.

وفي محاولة لتخفيف هذه الأعباء، وجه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان برفع القيود عن استيراد المنتجات الغذائية ومدخلات الإنتاج، وإتاحة استيراد الخضراوات والفواكه والدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام من دون رسوم جمركية، مع السماح للشركات والأفراد بالاستيراد دون قيود.

غير أن هذه الإجراءات لا تضمن وحدها خفض الأسعار، في ظل استمرار الضغوط على العملة وارتفاع الدولار الجمركي، بالتزامن مع تحذير عشرات الدول، بينها الولايات المتحدة وقوى أوروبية، من تدهور الأمن الغذائي في بيان مشترك، دعت فيه طرفي النزاع إلى تسهيل وصول المساعدات وزيادة التمويل الدولي لمواجهة خطر المجاعة.

وفي ظل محدودية النقد الأجنبي وصعوبة الوصول إلى القنوات المصرفية، يتجه المتعاملون إلى السوق الموازية، ما يفاقم الفجوة مع السعر الرسمي ويعقد التسعير والتخطيط، ويجعل احتواء الأزمة مرهوناً بإصلاحات اقتصادية أوسع تتجاوز التدابير المؤقتة.

وفي هذا الإطار، يرى فتحي "أن الحد من تدهور الجنيه واستعادة الاستقرار الاقتصادي يتطلبان معالجة الاختلالات الهيكلية التي تغذي أزمة النقد الأجنبي، عبر توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات وخفض فاتورة الاستيراد، بالتوازي مع جذب الاستثمارات وإصلاح القطاع المصرفي لاستعادة الثقة وتفعيل دوره في الوساطة المالية والنقدية".

ويؤكد أهمية تحسين الأداء الحكومي وإصدار قوانين جاذبة للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشفافية وتفعيل الحياة التشريعية والنقابية بما يوفر بيئة أكثر استقراراً للمستثمرين بالإضافة إلى ضرورة مكافحة الفساد والتهريب والتهرب الضريبي، مشدداً على أن التعافي التدريجي للاقتصاد السوداني يظل مرهوناً باستعادة الثقة وتوفير الظروف اللازمة لزيادة الإنتاج وتوليد العملات الأجنبية.