من يملك حق تعريف المثقف؟ – هويدا المرشود

للمشهد الثقافي ذاكرةٌ تحفظ أسماءً بعينها وأبوابٌ تتسع لبعض الأصوات أكثر من غيرها.

وقد يحظى اسمٌ باهتمام واسع قبل أن يقرأ الناس عمله بينما يحتاج صاحب فكرة جديدة إلى وقت طويل حتى يجد من يصغي إليه.

وبين شهرة الاسم وقيمة ما يقدّمه تنشأ قضية تستحق النقاش: من يملك حق منح صفة المثقف وعلى أي أساس تُمنح..

تتسع الحياة الثقافية السعودية اليوم للمبادرات والفعاليات والمنصات وتتنوع مساحات الكتابة والنشر والحوار.

وقد أصدرت وزارة الثقافة تقرير الحالة الثقافية لعام 2024 متناولًا مجالات من بينها الإنتاج الإبداعي والمعرفة والمهارات والمشاركة الثقافية والاقتصاد الإبداعي وقياس الأثر الثقافي.

وأشار التقرير وفق ما نُشر عن نتائجه إلى أن نسبة المشاركة الثقافية بلغت 69 % من عينة المسح وهي النسبة نفسها المسجلة في العام السابق. وهذا الرقم يرصد المشاركة في نشاط ثقافي واحد على الأقل.

أما عمق الممارسة وانتظام القراء وجودة الإنتاج المعرفي فتحتاج إلى مؤشرات أخرى تكشف تفاصيلها.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين اتساع المشهد ونضج مضمونه. فالحضور في فعالية أو الظهور على منصة أو امتلاك جمهور واسع لا يمنح أيًّا منها وحده شهادةً على عمق المعرفة.

وفي المقابل قد يحمل كاتب بعيد عن دوائر الضوء فكرة تستحق أن تصل إلى جمهور أوسع وقد يقدّم باحث أو قارئ متخصص عملًا رصينًا لا تمنحه قلة شهرته حق التجاهل.

وقد تناول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مفهوم (رأس المال الثقافي) لشرح الكيفية التي تتحول بها المعرفة والذائقة والتعليم وأساليب التعبير إلى موارد تمنح أصحابها مكانة اجتماعية.

وتساعد هذه الفكرة على قراءة بعض ما يجري في الأوساط الثقافية إذ تتداخل قيمة العمل مع شبكة العلاقات وسمعة صاحبه والجهات التي تتبناه والمنابر التي تتيح له الظهور.

وحين تتداخل هذه العوامل يصبح من الضروري أن تبقى معايير التقييم واضحة حتى لا تحل مكانة الاسم محل فحص ما يكتبه أو ينتجه.

ولا يعني ذلك التقليل من الأسماء التي صنعت مكانتها عبر سنوات من البحث والكتابة والإبداع فالخبرة تُحترم والمنجز المتراكم له حقه.

إنما القضية في تحويل المكانة إلى حصانة من النقد أو التعامل مع الشهرة وكأنها برهان مكتمل على الجودة أو إبقاء الأبواب مفتوحة أمام الأسماء المألوفة وحدها. فالمشهد الذي يقدّر روّاده حق التقدير ويمنح الأصوات الجديدة فرصة عادلة هو الأقدر على تجديد نفسه.

وتتحمل المؤسسات الثقافية والإعلامية مسؤولية مهمة في هذا الجانب فاختيار المتحدثين والمشاركين وترشيح الأسماء ونشر الأعمال وتقديم الجوائز كلها قرارات تصنع صورة المشهد لدى الجمهور.

وكلما استندت هذه القرارات إلى معايير معلنة تراعي جودة العمل والتخصص والإضافة اتسعت الثقة في الاختيارات وقلت مساحة الالتباس بين الاستحقاق والعلاقات العامة.

كما أن النقد الجاد جزء من هذه المسؤولية. فالمثقف الذي لا يجد أمامه إلا المديح يفقد فرصة اختبار أفكاره والقارئ الذي لا يُعرض عليه سوى الأسماء المتداولة تُحجب عنه تجارب ربما تستحق الاكتشاف.

أما الاختلاف المبني على المعرفة ومناقشة الأعمال بالحجة فهما ما يمنحان الحياة الثقافية حيويتها وقدرتها على مراجعة نفسها.

إن تعريف المثقف لا ينبغي أن يُترك للقب يتناقله الناس ولا لصورة تصنعها كثافة الظهور. المعيار الأجدر بالاحترام هو ما يقدمه الإنسان من معرفة وما يضيفه إلى مجاله وقدرته على التفكير المستقل ومراجعته لأفكاره أمام النقد.

فالثقافة مسؤولية معرفية قبل أن تكون مكانة اجتماعية والكتابة الجادة لا تستمد قيمتها من اسم صاحبها وحده.

للأسماء مكانتها التي تصنعها أعمالها وللأعمال حججها التي تكشفها القراءة والنقد.

وبين هذين الحدّين تتحدد عدالة المشهد الثقافي أن يُحترم المنجز القديم وألا يُغلق الطريق أمام الجديد، وأن تبقى قيمة الفكرة أوسع من شهرة قائلها.

للمشهد الثقافي ذاكرةٌ تحفظ أسماءً بعينها وأبوابٌ تتسع لبعض الأصوات أكثر من غيرها.

وقد يحظى اسمٌ باهتمام واسع قبل أن يقرأ الناس عمله بينما يحتاج صاحب فكرة جديدة إلى وقت طويل حتى يجد من يصغي إليه.

وبين شهرة الاسم وقيمة ما يقدّمه تنشأ قضية تستحق النقاش: من يملك حق منح صفة المثقف وعلى أي أساس تُمنح..

تتسع الحياة الثقافية السعودية اليوم للمبادرات والفعاليات والمنصات وتتنوع مساحات الكتابة والنشر والحوار.

وقد أصدرت وزارة الثقافة تقرير الحالة الثقافية لعام 2024 متناولًا مجالات من بينها الإنتاج الإبداعي والمعرفة والمهارات والمشاركة الثقافية والاقتصاد الإبداعي وقياس الأثر الثقافي.

وأشار التقرير وفق ما نُشر عن نتائجه إلى أن نسبة المشاركة الثقافية بلغت 69 % من عينة المسح وهي النسبة نفسها المسجلة في العام السابق. وهذا الرقم يرصد المشاركة في نشاط ثقافي واحد على الأقل.

أما عمق الممارسة وانتظام القراء وجودة الإنتاج المعرفي فتحتاج إلى مؤشرات أخرى تكشف تفاصيلها.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين اتساع المشهد ونضج مضمونه. فالحضور في فعالية أو الظهور على منصة أو امتلاك جمهور واسع لا يمنح أيًّا منها وحده شهادةً على عمق المعرفة.

وفي المقابل قد يحمل كاتب بعيد عن دوائر الضوء فكرة تستحق أن تصل إلى جمهور أوسع وقد يقدّم باحث أو قارئ متخصص عملًا رصينًا لا تمنحه قلة شهرته حق التجاهل.

وقد تناول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مفهوم (رأس المال الثقافي) لشرح الكيفية التي تتحول بها المعرفة والذائقة والتعليم وأساليب التعبير إلى موارد تمنح أصحابها مكانة اجتماعية.

وتساعد هذه الفكرة على قراءة بعض ما يجري في الأوساط الثقافية إذ تتداخل قيمة العمل مع شبكة العلاقات وسمعة صاحبه والجهات التي تتبناه والمنابر التي تتيح له الظهور.

وحين تتداخل هذه العوامل يصبح من الضروري أن تبقى معايير التقييم واضحة حتى لا تحل مكانة الاسم محل فحص ما يكتبه أو ينتجه.

ولا يعني ذلك التقليل من الأسماء التي صنعت مكانتها عبر سنوات من البحث والكتابة والإبداع فالخبرة تُحترم والمنجز المتراكم له حقه.

إنما القضية في تحويل المكانة إلى حصانة من النقد أو التعامل مع الشهرة وكأنها برهان مكتمل على الجودة أو إبقاء الأبواب مفتوحة أمام الأسماء المألوفة وحدها. فالمشهد الذي يقدّر روّاده حق التقدير ويمنح الأصوات الجديدة فرصة عادلة هو الأقدر على تجديد نفسه.

وتتحمل المؤسسات الثقافية والإعلامية مسؤولية مهمة في هذا الجانب فاختيار المتحدثين والمشاركين وترشيح الأسماء ونشر الأعمال وتقديم الجوائز كلها قرارات تصنع صورة المشهد لدى الجمهور.

وكلما استندت هذه القرارات إلى معايير معلنة تراعي جودة العمل والتخصص والإضافة اتسعت الثقة في الاختيارات وقلت مساحة الالتباس بين الاستحقاق والعلاقات العامة.

كما أن النقد الجاد جزء من هذه المسؤولية. فالمثقف الذي لا يجد أمامه إلا المديح يفقد فرصة اختبار أفكاره والقارئ الذي لا يُعرض عليه سوى الأسماء المتداولة تُحجب عنه تجارب ربما تستحق الاكتشاف.

أما الاختلاف المبني على المعرفة ومناقشة الأعمال بالحجة فهما ما يمنحان الحياة الثقافية حيويتها وقدرتها على مراجعة نفسها.