.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
في بلد خسر آلاف الدونمات الزراعية بسبب الحرب، لا يدور الجدل اليوم حول إعادة استصلاح الحقول فحسب، بل حول البذور التي ستُزرع فيها مستقبلاً.
عندما اضطرت المزارعة زينب مهدي (51 عاماً) للنزوح من بلدتها الحدودية الناقورة إلى صور، لم تتمكن من نقل أكياسها وعبواتها التي كانت تحفظ فيها بذورها من الفليفلة الحلوة والحارة والملوخية والخيار والباذجان والخس والفول والبازيلاء والحمص والفجل والبقدونس والكزبرة... التي اعتادت زراعتها منذ سنوات. كانت تفكر في النجاة من دون أن تعلم أن إسرائيل ستجرف محاصيلها الزراعية كما بذورها، عن بكرة أبيها.
وعندما أُعلن عن وقف النار لأول مرة في حرب 2026، كان أول ما بحثت عنه زينب في غرفتها الزراعية هي البذور التي خبأتها، تقول: "لم أجد شيئاً، كانت تلك اللحظات أصعب ما يمكن أن يعيشه الشخص التي اعتاد العيش في الأرض والزراعة".
أرض المزارعة زينب مهدي في الناقورة، والتي كانت تزرعها بمختلف الخضراوات والفواكه (الصورة من زينب مهدي- الناقورة 2024)
تنتمي زينب إلى عائلة امتهنت الزراعة جيلاً بعد جيل. فوالدها كان يستأجر الأراضي ويزرعها بالليمون والحمضيات والموز، فيما واصلت العائلة استصلاح أراضيها وتطويرها حتى أصبحت تمتلك مزرعة تمتد على نحو عشرة دونمات، تضم مختلف أنواع الخضر الموسمية إلى جانب أشجار الأفوكادو والزيتون والحمضيات. لكن هذه الأرض تحولت بعد الحرب مساحةً قاحلة بعدما جرفتها إسرائيل، لتفقد العائلة مصدر رزقها وإرثها الزراعي معاً.
بعد نزوحها، وجدت زينب في مشروع "بذور صور" الذي أطلقه "اتحاد بلديات صور"، بالتعاون مع جمعيات محلية لدعم النساء النازحات، فرصة لمواصلة ما اعتبرتها رسالة أكثر منها مهنة. فهي تشرف اليوم على المشروع الذي تضمن تدريب اكثر من 400 امرأة نازحة، ويرتكز على الزراعة العضوية والحفاظ على البذور البلدية، فيما تُنتج جميع الشتول من بذور محلية جرى إكثارها منذ عام 2024.
وتضيف: "أكرّس معظم وقتي لهذه الأرض التي أصبحت بديلاً من أرضي في الناقورة. أشعر كأنني أعوّض فيها شيئاً من خسارتي. هذه الأرض في صور أصبحت جزءاً مني، ولن أتركها حتى بعد انتهاء الحرب".
عينة من المزروعات البلدية التي كانت تزرعها زينب مهدي في أرضها في الناقورة (الناقورة 2024)
لذلك، تتابع بقلق النقاش الدائر حول مشروع قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار، وسط تحذيرات منظمات بيئية وزراعية ومخاوفها من انعكاساته المحتملة على الأصناف المحلية وحقوق المزارعين، في مقابل تأكيد وزارة الزراعة أن المشروع يهدف إلى تطوير القطاع وتنظيمه.
ويؤكد وزير الزراعة نزار هاني لـ"النهار" أن الصيغة المتداولة للمشروع ليست نهائية، وأن المشروع لن يُحال بصيغته النهائية قبل التوصل إلى تفاهم مع مختلف الأطراف المعنية"، في محاولة لاحتواء المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل البذور والزراعة في لبنان.
ومن هنا تبدأ قصة صراع يتجاوز تنظيم سوق البذور، ليصل إلى أسئلة تتعلق بالسيادة الغذائية ومستقبل الزراعة اللبنانية.
أرض زينب مهدي في الناقورة والتي جرفتها اسرائيل مع كل المحاصيل والبذور البلدية التي كانت تحتفظ بها (الناقورة- 2024)
تضع رئيسة "الحركة الزراعية في لبنان" سارة سلّوم مشروع القانون في سياق أزمة أوسع تتعلق بالأمن الغذائي، مشيرة إلى أن لبنان يستورد أكثر من 80% من غذائه، فيما تتراجع المساحات الزراعية نتيجة غياب التخطيط والسياسات الداعمة للإنتاج المحلي.
وترى أن الجدل الدائر حول البذور يعكس مساراً طويلاً من تهميش القطاع الزراعي منذ نهاية الحرب الأهلية، ما زاد من هشاشته وارتهانه للخارج.
وكشفت الحرب الأخيرة حجم هذه الهشاشة، في وقت تبرز فيه تشريعات واتفاقات دولية مرتبطة بالبذور وحقوق الملكية الزراعية، بينها الاتفاقية الدولية لحماية الأصناف النباتية الجديدة (UPOV).
ومع هشاشة القطاع الزراعي، وغياب الرقابة الفعلية، يصبح تمرير سياسات وتشريعات جديدة أمراً أكثر سهولة، حتى وإن بدت في ظاهرها تنظيمية وإصلاحية. إلا أن جوهر هذه القوانين، يصبّ في خدمة الشركات الكبرى والنماذج الاقتصادية العالمية، أكثر مما يدعم المزارع المحلي.
هذه السياسات ليست معزولة، بل تأتي ضمن منظومة أوسع تُطرح على الدول كمسار اقتصادي جاهز. وقد وقّعت عليها دول عدة، بينها مصر وتونس والمغرب، إلى جانب الهند وفرنسا، حيث أظهرت التجارب في عدد منها نتائج سلبية أو محدودة الفعالية.
ويشير معارضو المشروع إلى أن بعض الشركات المالكة لبراءات اختراع البذور، بما فيها أصناف معدلة وراثياً، تفرض قيوداً على إعادة استخدام البذور من موسم إلى آخر، ما يدفع المزارعين إلى شرائها بشكل متكرر ويزيد من اعتمادهم على الأسواق التجارية.
وتستند هذه المخاوف أيضاً إلى التركّز المتزايد في سوق البذور العالمية، حيث تهيمن شركات كبرى، مثل BASF وBayer/Monsanto وSyngenta وCorteva Agriscience، على حصة كبيرة من تجارة البذور والمدخلات الزراعية.
وفي هذا السياق، يتحدث الناشط بات موني Pat Mooney من مجموعة ETC المعنية بالعدالة البيئية، عن ظاهرة تُعرف بـ"القرصنة البيولوجية"، مشيراً إلى اتهامات موجهة لبعض الشركات بالاستفادة من الموارد الوراثية والمعارف الزراعية التي راكمها المزارعون، خصوصاً في بلدان الجنوب، وتحويلها إلى منتجات تجارية محمية بحقوق ملكية فكرية.
وبالنسبة إلى المعترضين، فإن جوهر القضية لا يقتصر على تنظيم تجارة البذور فحسب، بل يرتبط بالحفاظ على التنوع البيولوجي الزراعي وضمان حق المزارعين في الوصول إلى البذور وتبادلها بعيداً من التبعية الاقتصادية.
وتربط سلّوم هذه المخاوف مباشرة بمشروع القانون الذي تشير الى انه أُعدّ بالتعاون مع جهات خارجية، من دون إشراك كافٍ للمزارعين، ما يجعله، برأيها، بعيداً عن حاجات العاملين في القطاع.
سنابل قمح في لبنان (الصورة من الحركة الزراعية في لبنان)
وترى أن المشروع يمهّد لتحويل البذور من مورد زراعي متوارث إلى سلعة خاضعة لاعتبارات السوق والملكية. وبدلاً من أن تبقى البذور جزءاً من الموروث المشترك، تتحوّل إلى سلعة خاضعة للاحتكار، ما قد يُدخل المزارعين في حلقة من التبعية الدائمة، تصفها بأنها "عبودية البذور".
في جوهره، يقدّم المشروع إطاراً قانونياً يضع الاعتبارات التجارية في الواجهة، على حساب مفاهيم أساسية مثل السيادة الغذائية والتنوع البيولوجي. وهو ما يثير مخاوف من إعادة تشكيل القطاع الزراعي بما يخدم مصالح شركات كبرى، بدل دعم الإنتاج المحلي واستدامته.
ويستشهد المعارضون بتجارب دولية مماثلة. ففي كينيا، ألغت المحكمة العليا عام 2025 بنوداً أساسية في قانون البذور والأصناف النباتية بعدما اعتُبرت مقيدة لحق المزارعين في حفظ البذور التقليدية وتبادلها.
وكان القانون المعدل عام 2013 قد تضمّن أحكاماً متقاربة مع متطلبات اتفاقية UPOV لعام 1991التي تضم حوالى 80 دولة، ما أثار اعتراضات منظمات المجتمع المدني التي اعتبرت أنه يهدد أنظمة البذور التقليدية ويعزز الاعتماد على البذور المعتمدة تجارياً.