من يصنع القرار في طهران.. الحرس الثوري أم مؤسسة الرئاسة؟ – صبحي شبانة

المتابع للخطاب الإيراني يلحظ مفارقة تستحق التوقف عندها، فبينما يتحدث الرئيس ووزير الخارجية وكبار الحرس الثوري، رسائل مختلفة تحمل لغة أكثر تشددًا، تهديدات تتعلق بالممرات البحرية، وتحذيرات من استهداف خطوط الطاقة، وتلويح بأن مضيق هرمز يمكن أن يتحول من ممر دولي إلى ورقة ضغط إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها، وتأكيد متكرر على أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يمثل، من وجهة النظر الإيرانية، مصدر الخطر الأساسي، وهذه المفارقة تطرح سؤالًا يتجاوز الخلاف بين خطابين، إلى طبيعة صناعة القرار نفسها في طهران، ومن يملك الكلمة عندما تتعارض حسابات الدبلوماسية مع حسابات القوة، فالحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، وإنما يمتلك نفوذًا واسعًا في الملفات الأمنية والاستراتيجية، وارتبط اسمه طوال العقود الماضية بالسياسة الإقليمية الإيرانية وبشبكة الحلفاء والفصائل المسلحة التي بنتها طهران في عدد من دول المنطقة، ولذلك فإن قراءة الموقف الإيراني لا تكتمل بالنظر فقط إلى تصريحات المسؤولين الدبلوماسيين، وإنما تحتاج إلى متابعة الرسائل التي تصدر عن المؤسسة التي ترى في القوة والردع والنفوذ الإقليمي أدوات أساسية لحماية المصالح الإيرانية، وهنا تكمن إحدى أكثر مشكلات السياسة الإيرانية تعقيدًا، فالدبلوماسية تحاول فتح الأبواب، بينما تبقي المؤسسة العسكرية أوراق الضغط مفتوحة، وكأن طهران تريد أن تفاوض وفي يدها السلاح، وأن تتحدث عن حسن الجوار بينما تظل لغة القوة حاضرة خلف الطاولة.

ولعل أخطر ما في هذه المعادلة هو انتقال الصراع من استهداف المواقع العسكرية إلى الضغط على شرايين الطاقة والتجارة، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري يقع في نقطة جغرافية ضيقة، وإنما أحد أهم الشرايين التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية، ولذلك فإن التهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه لا يمثل ضغطًا على دولة بعينها، بل يفتح الباب أمام اضطراب واسع في أسواق النفط والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد، ويجعل الاقتصاد العالمي بأكمله جزءًا من حسابات الصراع، ومن هنا تكتسب خطوط النفط التي تتجاوز هرمز أهمية استراتيجية خاصة، لأنها تمنح دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، قدرة أكبر على تنويع طرق التصدير وتقليل المخاطر المرتبطة بمضيق واحد، ولذلك فإن أي تهديد لهذه الخطوط لا يمكن قراءته باعتباره تهديدًا لمنشأة اقتصادية فحسب، وإنما باعتباره محاولة للتأثير في قدرة الدول على بناء بدائل استراتيجية تحمي أمن الطاقة، وهنا تبدو المفارقة واضحة، فإذا كان لكل دولة الحق في حماية صادراتها ومصالحها، فليس من المنطقي أن يتحول حق إيران في تصدير نفطها إلى مبرر لمنع الآخرين من تأمين طرق بديلة لتصدير نفطهم، وفي مثل هذه الحالة يحضر المبدأ القانوني المعروف بأن من أفسد الشيء لا يجوز له أن يتخذ من فساده أساسًا للمطالبة بحق، فكيف يمكن أن تُطالب طهران بحرية تصدير النفط والملاحة، بينما تلوح في الوقت نفسه بإمكان استخدام القوة ضد طرق تصدير دول أخرى، أو تجعل أمن الممرات رهينًا بقبول شروطها السياسية؟.

إن القضية هنا ليست فقط في التناقض بين القول والفعل، وإنما في محاولة فرض قاعدة جديدة على المنطقة، قوامها أن من يمتلك القدرة على تهديد أحد الممرات يستطيع أن يفرض على الآخرين قيودًا على استخدام البدائل، وهذه سابقة خطيرة إذا تحولت إلى قاعدة مستقرة في العلاقات الإقليمية.

ولا تتوقف الصورة عند هرمز، فالبحر الأحمر وباب المندب يمثلان الحلقة الأخرى في هذه المعادلة الجغرافية، ومع اتساع نفوذ الحوثيين في مناطق ساحلية يمنية واقترابهم من نقاط حساسة على طرق الملاحة، أصبحت العلاقة بين الخليج والبحر الأحمر أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، فالأمن في هرمز لا يمكن فصله عن الأمن في باب المندب، وما يحدث في جنوب البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، كما أن أي اضطراب في هذه السلسلة البحرية يمكن أن يرفع تكلفة التجارة والطاقة على دول المنطقة والعالم، وهنا تظهر أهمية الدور الإيراني في دعم الحوثيين، فالمسألة لا تتعلق بالحرب اليمنية وحدها، وإنما بما تمنحه السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي اليمني من قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

إن الانتقائية في تحديد السفن المستهدفة تكشف أن القضية ليست دائمًا مرتبطة بمبدأ عام يتعلق بالملاحة الدولية، وإنما يمكن أن تستخدم الملاحة نفسها لتوجيه رسائل سياسية إلى دول محددة، فإذا كان المرور البحري آمنًا لسفن، ومهددًا لسفن أخرى وفق هويتها أو ارتباطاتها السياسية، فإننا لا نكون أمام مفهوم للأمن البحري، وإنما أمام محاولة لتحويل الممر البحري إلى أداة تمييز وضغط، وهو أمر يهدد جوهر حرية الملاحة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وإذا جمعنا بين هرمز وباب المندب، وبين خطوط النفط والموانئ، تظهر أمامنا صورة أوسع بكثير من مجرد مواجهة إيرانية أمريكية، فنحن أمام صراع على الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، وعلى القدرة على التحكم في شرايين الطاقة والتجارة، وعلى من يملك حق تحديد قواعد الحركة فيها، وهذا هو البعد الجيوستراتيجي الأهم، لأن الدول قد تخسر معركة عسكرية محدودة، لكنها تستطيع أن تعوضها، أما إذا فقدت القدرة على تأمين ممراتها وطرق تجارتها ومصادر طاقتها، فإنها تدخل في دائرة أوسع من الابتزاز الاستراتيجي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تمثل الولايات المتحدة والعالم العربي، عقبتين رئيسيتين أمام المشروع الإقليمي الإيراني، فالولايات المتحدة تمتلك أدوات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية قادرة على فرض كلفة مرتفعة على طهران، بينما يمثل العالم العربي المجال الجغرافي والسياسي الذي تسعى إيران إلى توسيع نفوذها داخله، ولذلك فإن رفض الدول العربية لأي صيغة من صيغ الوصاية الإقليمية أو فرض الأمر الواقع يشكل عنصرًا أساسيًا في تحديد حدود النفوذ الإيراني، ولا يتعلق الأمر هنا بالخلاف على النفوذ الطبيعي بين الدول، فكل دولة تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز حضورها، وإنما يتعلق بالوسيلة المستخدمة لتحقيق ذلك النفوذ، فهناك فرق كبير بين النفوذ الذي يُبنى على التجارة والاستثمار والعلاقات الدبلوماسية والمصالح المتبادلة، وبين نفوذ يقوم على الصواريخ والمسيّرات والفصائل المسلحة وتهديد الممرات البحرية، الأول يمكن أن يتحول إلى شراكة، أما الثاني فينتج في النهاية بيئة من الخوف وعدم الثقة.