تخيّل أن ترحل عن الدنيا، وتترك خلفك هاتفًا لا يعرف أحد كلمة مروره، وآلاف الصور العائلية المحفوظة في حساب سحابي، ورسائل صوتية لم يسمعها أبناؤك منذ سنوات، وحسابات إلكترونية تحمل تفاصيل حياتك وذكرياتك وأعمالك. قد يرث أبناؤك منزلك وسيارتك ومدخراتك، لكن من سيرث تلك اللحظات التي وثّقتها بعدسة هاتفك؟ ومن سيحفظ رسائلك وصورك وملفاتك؟ وهل ستبقى ذكرياتك الرقمية حبيسة كلمة مرور لا يعرفها أحد، أم تختفي يومًا ما بضغطة زر أو بقرار تتخذه شركة تقنية في بلد بعيد؟
لم يعد هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل أصبح قضية تمس كل أسرة سعودية تقريبًا. فنحن نعيش اليوم جزءًا كبيرًا من حياتنا داخل هواتفنا وحساباتنا الإلكترونية؛ نوثّق مناسباتنا العائلية، ونحتفظ بصور أبنائنا منذ ولادتهم، ونسجل أصوات والدينا، ونخزن وثائقنا وأعمالنا وذكرياتنا في مساحات افتراضية لا نراها. ومع تسارع التحول الرقمي في المملكة، لم تعد التقنية مجرد وسيلة لتسهيل الحياة، بل أصبحت مستودعًا لذاكرتنا الشخصية والعائلية، وربما جزءًا من ممتلكاتنا أيضًا.
لكن المفارقة أن كثيرين يخططون لما سيتركونه من أموال وعقارات، ولا يفكرون فيما سيحدث لما يتركونه من حياة رقمية.
ولنتصور أسرة سعودية فقدت والدها بصورة مفاجئة. وبعد أيام العزاء، أرادت ابنته استعادة الصور التي كان يحتفظ بها في هاتفه، خصوصًا صور رحلات العائلة والأعياد والمناسبات التي لم تُحفظ في مكان آخر. لكن الهاتف مغلق، والحساب السحابي محمي بكلمة مرور، ورمز التحقق يصل إلى رقم لم يعد متاحًا. فجأة تكتشف الأسرة أن سنوات من الذكريات قد تكون موجودة أمامها، لكنها عاجزة عن الوصول إليها.
في الماضي، كان الأبناء يعثرون على صور آبائهم في ألبوم قديم، أو رسائل محفوظة في صندوق خشبي. أما اليوم فقد تصبح تلك الذكريات معلّقة بخدمة إلكترونية، أو مرتبطة باشتراك شهري، أو معرضة للحذف إذا توقف الحساب عن النشاط مدة طويلة.
وهنا تظهر حقيقة تستحق التأمل: لقد أصبحنا نملك وسائل لحفظ ذكرياتنا أكثر من أي جيل سابق، لكننا قد نكون أقل قدرة على ضمان وصولها إلى أبنائنا بعد رحيلنا.
ولا تقتصر المسألة على الصور والذكريات. فهناك من يدير متجرًا إلكترونيًا، أو يمتلك موقعًا تجاريًا، أو يحقق دخلًا من محتوى رقمي، أو يحتفظ بملفات عمل مهمة داخل حساباته الشخصية. وقد ترتبط بهذه الأصول حقوق مالية أو ملكية فكرية، بينما تكون بعض الخدمات والاشتراكات مجرد تراخيص استخدام شخصية لا تنتقل تلقائيًا إلى الورثة. وهكذا يصبح الإرث الرقمي قضية اقتصادية إلى جانب أبعاده الإنسانية.
فقد يتوفى صاحب مشروع صغير، لتكتشف أسرته أن بيانات العملاء وملفات التصميم والنطاق الإلكتروني للمشروع مرتبطة ببريده الشخصي وحده. وربما تتعطل أعمال قائمة، أو تضيع فرص مالية، لا لغياب الورثة، وإنما لغياب الترتيب المسبق الذي يسمح باستمرار إدارة الأصول الرقمية بصورة نظامية وآمنة.
والسؤال الأهم هنا: هل تعني وفاة صاحب الحساب أن أسرته تستطيع الدخول إليه والاطلاع على كل محتوياته؟
الإجابة ليست بهذه البساطة. فامتلاك الهاتف لا يعني بالضرورة امتلاك حق الوصول إلى جميع الحسابات المرتبطة به، كما أن صفة الوارث لا تمنح تلقائيًا كلمات المرور أو حق قراءة المراسلات الخاصة. فهناك فرق بين الحقوق المالية القابلة للإرث، والبيانات الشخصية، والخدمات التي تحكمها اتفاقيات استخدام تضعها الشركات التقنية. وقد بدأت بعض المنصات العالمية التعامل مع هذه القضية. فشركة «أبل» تتيح للمستخدم تعيين ما تسميه «جهة اتصال وارثة»، يمكنها بعد وفاته طلب الوصول إلى بعض بيانات حسابه، مثل الصور والملاحظات والملفات، وفق إجراءات تتطلب إثبات الوفاة ومفتاح وصول مخصصًا. وفي المقابل، لا يشمل هذا الإجراء كلمات المرور المحفوظة وبعض المشتريات والاشتراكات الرقمية.
أما «جوجل» فتتيح عبر خدمة «مدير الحساب غير النشط» تحديد أشخاص موثوقين لاستلام أنواع معينة من البيانات بعد انقطاع نشاط الحساب مدة يحددها صاحبه مسبقًا، أو اختيار حذف الحساب وفق إعداداته.
وفي «فيسبوك» يمكن تحويل حساب المتوفى إلى حساب تذكاري، مع إمكانية تعيين شخص لإدارة بعض جوانبه، دون أن يُسمح له بتسجيل الدخول باسم المتوفى أو قراءة رسائله الخاصة.
هذه الخيارات تمثل خطوات مهمة، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن مصير ذكرياتنا قد يخضع لإعدادات لا يعرف معظم المستخدمين بوجودها، أو لشروط تختلف من منصة إلى أخرى.
وفي المملكة، تكتسب هذه القضية أهمية إضافية مع اتساع الاعتماد على الخدمات الرقمية في الحياة اليومية والاقتصادية. ومن اللافت أن نظام حماية البيانات الشخصية السعودي لم يُغفل بيانات المتوفى؛ إذ يشملها في الحالات التي تؤدي فيها إلى التعرف عليه أو على أحد أفراد أسرته على وجه التحديد. وهذا يعكس أن حماية الخصوصية لا تتوقف بالضرورة عند وفاة صاحب البيانات.
لكن المسألة تطرح سؤالًا أخلاقيًا حساسًا: هل من حق الأبناء الاطلاع على جميع رسائل والدهم الخاصة لمجرد أنه توفي؟ وهل تتحول خصوصية الإنسان بعد رحيله إلى ملكية مشتركة بين أفراد أسرته؟
قد تحتوي الحسابات على أحاديث شخصية، أو أسرار عائلية، أو مراسلات تخص أشخاصًا آخرين لا يرغبون في كشفها. ولذلك فإن المحافظة على الإرث الرقمي لا ينبغي أن تتحول إلى انتهاك لخصوصية المتوفى أو الآخرين.
فمن حق الأسرة أن تحفظ الذكرى، لكن ليس بالضرورة أن تكشف كل ما أخفاه صاحبها في حياته.
ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته «الوصية الرقمية»، وهي ترتيبات يحدد فيها الإنسان مسبقًا مصير حساباته وملفاته وأصوله الإلكترونية بعد وفاته، ومن يثق به لتنفيذ رغباته، وما الذي يريد الاحتفاظ به أو حذفه أو إتاحته لأسرته، مع مراعاة الأنظمة والحقوق الشرعية وشروط المنصات.
ولا يعني ذلك كتابة كلمات المرور في ورقة مكشوفة أو تسليمها لأي شخص، وإنما إعداد سجل آمن بالحسابات والأصول المهمة، وتفعيل خيارات الإرث التي توفرها الخدمات، وحفظ نسخ احتياطية من الصور والوثائق العائلية الثمينة، وتحديد الأشخاص المخولين بالتعامل معها وفق الوسائل المعتمدة.
ومن المفيد أن تتبنى الأسرة ثقافة تنظيم الذاكرة الرقمية؛ فبدلًا من أن تبقى جميع صور الأبناء محفوظة في هاتف الأب أو الأم وحده، يمكن إنشاء أرشيف عائلي مشترك وآمن، تُحفظ فيه الصور والمناسبات والوثائق التي يرغب أفراد الأسرة في الاحتفاظ بها للأجيال القادمة. كما ينبغي الفصل بين الحسابات الشخصية والحسابات المستخدمة لإدارة الأعمال والمشروعات، حتى لا يؤدي رحيل صاحبها إلى تعطل مصالح الآخرين.
وربما تحتاج مؤسسات المجتمع والجهات المعنية بالتوعية الرقمية إلى إدراج هذا الموضوع ضمن برامج الثقافة التقنية والأمن السيبراني؛ لأن الحديث عن حماية البيانات لا ينبغي أن يقتصر على منع الاختراق والاحتيال أثناء الحياة، بل يجب أن يمتد إلى ضمان التعامل المسؤول معها بعد الوفاة.
إننا نعلّم أبناءنا اليوم كيف ينشئون الحسابات ويحفظون كلمات المرور ويحمون خصوصيتهم، لكننا نادرًا ما نعلّمهم كيف يحافظون على الذكريات والحقوق الرقمية التي يتركها أحباؤهم.