من يحمي دورينا من التصريحات الغاضبة للنجوم

يبقى اللاعب المحترف في دورينا ليس مجرد موظف في نادٍ، بل أصبح جزءاً من صورة مشروعٍ رياضي كامل، خصوصاً عندما يكون الدوري السعودي تحت المجهر ومسلطةً أنظار العالم اتجاهه؛ لذلك لم تكن كلمات البرتغالي جواو فيليكس لاعب النصر بعد مواجهة الاتحاد وتصريحه الشهير مجرد كلمات عابرة يمكن وضعها تحت بند ردة فعل غاضبة بعد الخسارة، بل كانت عبارة تستحق التوقف معها طويلاً أمام أبعادها وانعكاساتها، خصوصاً عندما أطلق رصاصته أمام العالم وقال: "لن أتحدث لأنني سأفضح هذا الدوري". فحين يتحدث لاعب نجم بحجم جواو فيليكس، وفي دوري أصبح اليوم محط أنظار العالم، فإن كلماته لا تبقى داخل حدود غرفة الملابس أو أروقة ملعب المباراة، بل تنتقل في ثوانٍ إلى وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتصبح مادة قابلة للتأويل والتشكيك والإساءة لصورة المسابقة بأكملها. وقد أثارت العبارة بالفعل جدلاً واسعاً ونقاشاً حول إمكانية مساءلته قانونياً؛ فمن حق أي لاعب أن يغضب، ومن حقه أن ينتقد التحكيم أو يعترض على القرارات، بل من حقه أن يكشف أي تجاوز يعتقد أنه حدث بحقه عبر الطرق الرسمية والقانونية، لكن ما لا يمكن قبوله هو إطلاق عبارات فضفاضة تحمل اتهاماً ضمنياً لمنظومة كاملة دون تقديم دليل أو توضيح، لذلك هناك فرق كبير بين النقد والإساءة، فالفرق أكبر بين أن تقول: "تعرضت للظلم في مباراة"، وبين أن تضع الدوري بأكمله في دائرة الاتهام. دوري روشن للمحترفين ليس مجرد بطولة محلية تقام أسبوعاً بعد أسبوع، بل هو مشروع رياضي واستثماري ضخم، أنفقت عليه وزارة الرياضة الكثير من الجهد والمال والتخطيط، واستقطب أسماء عالمية كبيرة، ونجحت في جذب أنظار الجماهير ووسائل الإعلام حول العالم؛ لذلك فإن أي كلمة تصدر من أحد نجومه الكبار يجب أن تكون محسوبة بدقة. المشكلة في مثل هذه التصريحات أنها لا تؤثر فقط على العلاقة بين اللاعب والجماهير، بل قد تترك انعكاسات أخطر على سمعة الدوري وقيمته التسويقية والسوقية. فعندما يسمع المستثمر أو الراعي أو اللاعب العالمي عبارة مثل "سأفضح هذا الدوري"، فإن السؤال الذي سيتبادر إلى ذهنه مباشرة: ماذا يقصد؟ وما الذي يحدث؟ وهل هناك شيء يمس نزاهة المنافسة؟ وهنا تكمن الخطورة؛ لأن إطلاق الشكوك أسهل بكثير من إزالتها، وقد يقضي الدوري سنوات في بناء صورة احترافية وتسويقية قوية، بينما تستطيع عبارة واحدة غير مسؤولة أن تفتح الباب أمام حملات التشكيك والتفسيرات السلبية، خصوصاً في ظل وجود من ينتظر أي فرصة للنيل من التجربة السعودية والتقليل من نجاحاتها. الأمر الأكثر غرابة أن جواو فيليكس نفسه أحد المستفيدين من هذا المشروع ومن قوة الدوري السعودي، فهو وجد في النصر مساحة كبيرة لاستعادة بريقه وتقديم مستويات لافتة، بل إن تجربته في السعودية أصبحت محطة مهمة في مسيرته الكروية. ومن هنا تصبح المسؤولية الأخلاقية أكبر؛ لأن اللاعب الذي يمنحه الدوري فرصة جديدة للتألق يجب أن يكون أكثر احتراماً للمكان الذي يحتضنه. لا أحد يطالب اللاعبين بالصمت أمام الأخطاء، ولا أحد يريد تحويل الملاعب إلى أماكن تخلو من حرية الرأي، لكن الاحتراف الحقيقي يعني أن تعرف متى تتحدث وكيف تتحدث وأين تضع اعتراضك. إذا كان لدى جواو فيليكس ما يريد كشفه، فالأبواب الرسمية مفتوحة، والجهات المختصة موجودة، أما إطلاق عبارة مثيرة ثم ترك الجماهير والإعلام أمام عشرات علامات الاستفهام، فهذا لا يخدم الحقيقة ولا يحترم المنافسة، نعم دوري روشن بحاجة إلى النقد ويحتاج إلى كشف الأخطاء بالتأكيد، ويحتاج إلى تطوير التحكيم والتنظيم وكل تفاصيل المنظومة دون شك، لكن ما لا يحتاجه هو تصريحات غاضبة تلقي بظلال من الشك على مشروع كامل دون أدلة واضحة. في كرة القدم الحديثة، أصبحت الكلمات جزءاً من قيمة اللاعب الاحترافية، تماماً كما هي أهدافه وتمريراته ومهاراته، ولهذا فإن على النجوم الذين اختاروا اللعب في السعودية أن يدركوا أن احترام الدوري ليس مجاملة، بل مسؤولية. أما الغضب بعد الخسارة فهو أمر طبيعي، لكن تحويل الغضب إلى إساءة لصورة دوري كامل، فهذا ثمنه قد يكون أكبر بكثير من مجرد تصريح عابر، فالدوريات الكبيرة لا تبنى بالأموال والنجوم فقط، بل تحمى أيضاً من الكلمات غير المسؤولة.