من موسكو إلى عواصم الجنوب العالمي.. اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية يفتح مسارًا جديدًا للتعاون مع «روسيا سيغودنيا»

في خطوة تعكس اتساع خريطة التعاون الإعلامي بين روسيا ودول الجنوب العالمي، وقّع اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية مذكرة تفاهم مع الشركة الفيدرالية الحكومية ووكالة الأنباء الدولية «روسيا سيغودنيا»، في مقر المجموعة والوكالة الأم لشبكة «سبوتنيك» بالعاصمة الروسية موسكو.

ولا تبدو الخطوة مجرد اتفاق جديد يضاف إلى سلسلة مذكرات التفاهم الإعلامية، بل تحمل في مضمونها محاولة لفتح مسار أكثر اتساعًا أمام التعاون بين المؤسسات الإعلامية والصحفيين في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية من جهة، والمؤسسات الإعلامية الروسية من جهة أخرى، خصوصًا في مجالات تبادل المحتوى والخبرات والتدريب والإنتاج المشترك وتنظيم الفعاليات المهنية.

وجاء توقيع المذكرة بحضور رئيس اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية الكاتب الصحفي نزار الخالد، إلى جانب نائب رئيس التحرير في المجموعة الدولية للإعلام «روسيا سيغودنيا» – وكالة الأنباء والإذاعة الدولية «سبوتنيك»، ومديرة الإدارة الموحدة للبث الخارجي أولغا يورفنا ليسيغور، ومديرة إدارة العمل مع بلدان الشرق الأدنى والشرق الأوسط ماريا لازرييفا، والقائمة بأعمال مديرة تحرير «سبوتنيك عربي» كارينا مهنا.

وأدار مراسم اللقاء مدير المشاريع الدولية وترويج المحتوى في الوكالة نواف إبراهيم، وسط نقاش حول مستقبل التعاون الإعلامي وإمكانات بناء مشروعات مشتركة تستفيد من الحضور الجغرافي الواسع للاتحاد والخبرات المتراكمة لدى المؤسسات الإعلامية الروسية.

الرسالة الأبرز التي حملها اللقاء تمثلت في التأكيد على أن قيمة أي مذكرة تفاهم لا تتوقف عند لحظة التوقيع، وإنما تبدأ فعليًا بعد ذلك، عندما تتحول البنود العامة إلى مشروعات وبرامج قابلة للتنفيذ.

وأكد رئيس اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية نزار الخالد أن الاتحاد لا ينظر إلى المذكرة باعتبارها وثيقة بروتوكولية، وإنما باعتبارها إطارًا يمكن البناء عليه لإطلاق مشروعات إعلامية جديدة.

وأوضح الخالد أن الهدف الأساسي يتمثل في الانتقال من مرحلة التواصل والتعارف وتبادل الزيارات إلى مرحلة أكثر عملية، تقوم على إنتاج المحتوى المشترك، وتبادل المواد الصحفية، وتنظيم الفعاليات، وتطوير برامج التدريب، والاستفادة المتبادلة من الخبرات وشبكات المراسلين.

ويرى الخالد أن امتلاك الاتحاد شبكة إعلامية تمتد عبر أكثر من 50 دولة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية يمنح التعاون مع «روسيا سيغودنيا» مساحة واسعة للتحرك، خصوصًا أن طبيعة القضايا التي تشغل دول الجنوب العالمي تحتاج إلى حضور إعلامي محلي قادر على قراءة تفاصيل المجتمعات وتقديمها من داخلها.

الجنوب العالمي.. مساحة واسعة للتعاون الإعلامي

أحد أبرز أبعاد الشراكة الجديدة يرتبط بالتغيرات التي يشهدها المشهد الإعلامي الدولي، في ظل تزايد أهمية دول الجنوب العالمي في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام.

فلم تعد المؤسسات الإعلامية الكبرى تعتمد فقط على المراسل الموجود في عاصمة الدولة، وإنما أصبحت بحاجة إلى شبكات محلية تمتلك القدرة على فهم السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي، وتقديم المعلومات بصورة أقرب إلى الجمهور.

ومن هذه الزاوية، فإن وجود اتحاد يضم إعلاميين ومؤسسات من عشرات الدول يمكن أن يمثل إضافة مهمة إلى أي مشروع إعلامي يستهدف بناء جسور تواصل بين روسيا ودول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وتتجاوز أهمية هذا النوع من التعاون مجرد نقل الأخبار، إذ يمكن أن يمتد إلى إنتاج قصص وتقارير وبرامج تتناول القضايا الاقتصادية والتنموية والثقافية والاجتماعية، وتقدم صورة أكثر تنوعًا عن المجتمعات التي غالبًا ما يتم تناولها إعلاميًا من زوايا محدودة.

«روسيا سيغودنيا» تفتح الباب أمام شراكة أوسع

من جانبها، أبدت «روسيا سيغودنيا» اهتمامًا بالإمكانات التي يمكن أن يوفرها اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية، خاصة فيما يتعلق بشبكات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المنتشرة في دول الجنوب العالمي.

وأكدت قيادات المجموعة أهمية الوصول المباشر إلى المؤسسات الإعلامية المحلية، باعتبارها شريكًا أساسيًا في فهم طبيعة الجمهور واحتياجاته، وكذلك في تطوير المحتوى الذي يخاطب المجتمعات المختلفة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل اختلاف البيئة الإعلامية من دولة إلى أخرى، سواء من حيث اللغة أو الثقافة أو طبيعة الجمهور أو القضايا التي تحظى باهتمامه.

وتتيح الشراكة المقترحة إمكانية الاستفادة من هذه التنوعات، بدلًا من التعامل مع دول الجنوب العالمي باعتبارها كتلة واحدة متشابهة.

كما طُرحت خلال اللقاء أفكار تتعلق بتبادل المواد الصحفية والإنتاج المرئي، وتنظيم فعاليات مشتركة، والاستفادة من شبكة المراسلين، فضلًا عن إمكانية توفير خبراء ومصادر بلغات متعددة.

وتعمل وكالة «سبوتنيك» بلغات عديدة، وهو ما يفتح بدوره مجالًا لتبادل الخبرات مع صحفيين ومؤسسات إعلامية تنتمي إلى بيئات لغوية وثقافية مختلفة.

الثقافة.. الجسر الذي يسبق السياسة والإعلام

ولم يكن النقاش حول التعاون الإعلامي منفصلًا عن البعد الثقافي، وهو الجانب الذي أولاه نزار الخالد اهتمامًا واضحًا خلال اللقاء.

فالخالد يرى أن العلاقات بين الشعوب لا تبدأ بالضرورة من الاتفاقيات الرسمية، وإنما كثيرًا ما تتشكل عبر الثقافة والفن والأدب والدراما والتعليم والتبادل الإنساني.

ومن هنا جاءت عبارته اللافتة: «الكود الثقافي يوحدنا»، في إشارة إلى وجود مساحات مشتركة بين الشعوب يمكن البناء عليها لتطوير علاقات أكثر عمقًا واستدامة.

وأشار الخالد إلى أن أجيالًا عربية وأفريقية تعرفت إلى جوانب من الثقافة الروسية من خلال الأعمال الدرامية والثقافية، وهو ما ساهم، حسب رؤيته، في تكوين حالة من الألفة والتقارب الثقافي لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

وهذا البعد يمكن أن يصبح أحد المجالات المهمة للتعاون الإعلامي خلال المرحلة المقبلة، من خلال إنتاج محتوى ثقافي مشترك، وتسليط الضوء على التجارب الإنسانية، والتعريف بالمجتمعات المختلفة بعيدًا عن الصورة النمطية.

«سبوتنيك برو».. الاستثمار في الصحفي قبل الخبر

ومن النقاط المهمة التي برزت خلال اللقاء أن التعاون لا يقتصر على تبادل الأخبار والمواد الصحفية.

فالتدريب المهني يمثل أحد المسارات المطروحة بقوة، من خلال إمكانية إتاحة برنامج «سبوتنيك برو» (Sputnik Pro) للصحفيين والمؤسسات الإعلامية الشريكة.

وتكمن أهمية هذا المسار في أن الإعلام الحديث لم يعد يعتمد فقط على مهارة الكتابة الصحفية التقليدية، وإنما يحتاج إلى مجموعة واسعة من المهارات المرتبطة بالإنتاج الرقمي، والفيديو، والمنصات الاجتماعية، وإدارة المحتوى، والتحقق من المعلومات، والتعامل مع التحولات السريعة في صناعة الأخبار.

وبالتالي، فإن إتاحة برامج تدريبية للصحفيين في دول الجنوب العالمي يمكن أن تمنح الشراكة بعدًا أكثر استدامة، لأنها لا تكتفي بتبادل المنتج الإعلامي، وإنما تساهم في تطوير الإنسان الذي يصنع هذا المنتج.

كما أن الاحتكاك المباشر بين الصحفيين من بيئات مختلفة يمكن أن يؤدي إلى تبادل الخبرات المهنية، وخلق علاقات وشبكات عمل جديدة تتجاوز حدود المشروع الواحد.