لم أكن قد لاحظتُ بعد عينيْ تلك الصبيّة المحدّقتين بي.. تحت سقف «الإترنيت» للشرفة الواسعة تلال من أوراق التبغ وحبال عالية تحمل أوراقه المعقودة بالخيطان كما العناقيد.. لم يكن أهل البيت قد انتهوا من بنائه، غير أنّ الجزء المشيّد منه كان كافيًا لإقامة العائلة المؤلّفة من الزوجين ودزينة من الأطفال.. دزينة بالتمام والكمال..غير أن عينيْ الجدّة هما اللتان جذبتاني، فكلما شككتُ بالإبرة الكبيرة ورقة تبغ وأناملي تتزحلق على سطحها، كنت أنظر إليها وهي ترقبني وتهزّ برأسها علامة على عدم الرضى..كنتُ حديثة في مهنة شكّ الدخان.. وهالني الصمغ الأخضر المائل إلى الأسود الذي التصق بأناملي كصباغ يأبى الانتزاع..
هربتُ من عينيها فلاحظتُ عينَي الصبيّة، بكر العائلة الذكيّة كما أخبرتني عمّتها عنها، فخورة بها وبنتائجها في المدرسة.. «ستعوّضني حرماني من العلم»، قالت عدرا. ثلاثون عاماً مرّت على تلك الزيارة إلى صريفا. كنتُ أنجز موضوعاً صحافياً للجامعة وقرّرتُ الانغماس في الموضوع ومشاركة أهل البلدة الهانئة بالزراعة وقطاف التبغ وشكّه، هذا غير التوجّه إلى النهر، مسرى الليطاني، والسباحة في مياهه المثلجة لطرد لهيب تموز شرّ طردة.
قدم الأب أحمد حاملاً كيس جنفيص ضخماً، طُبِعَ عليه بالأزرق شعار «الأمم المتحدة»، وقلبه أمامنا، نحن المفترشون أرض الشرفة الباطونية، فانقلبت ملايين الأوراق، فتجرّأتُ وسألته: «هل أستطيع مشاركتكم في قطف الدخان؟».
وما إن نطقت، حتى تعالت الضحكات من الكبار قبل الصغار.. فأنا عندهم «ابنة المدينة»، مع أنني أساساً ابنة بلدة متنية في جبل لبنان، غير أنني أبقى في نظرهم ابنة مدلّلة لم تختبر فعلاً ماذا يعني أن تكون ابنة الجنوب وعلى أطراف ما اصطُلِحَ على تسميته «الشريط الحدودي المحتلّ». لملمتُ ما تناثر مني من خجل واضطراب، وأعدتُ طلبي.. فنظرت إليّ الصبيّة الجميلة التي يفوح خدّاها المجبولان بحمرة الصحّة، وقالت: «وإذا جاءت الهليكوبتر؟ ماذا ستفعلين؟».
- أيّ هليكوبتر؟
«أرضنا على الحدود، لا نذهب إليها إلا ليلاً.. نقطف الأوراق من دون إشعال أي ضوء، لقد تدرّبنا على ذلك، وإذا ما طارت فوقنا الهليكوبتر ننبطح بين شتلات الدخان على التراب والحجارة الصغيرة ولا نتحرّك أبداً حتّى ترحل».
ابتسم أحمد بحنان، ووعدني بالتفكير بالأمر. فصرخت بهم صديقتي: «لا.. ماذا لو حصل لها أي شيء؟ أخبرها يا أحمد كيف كدت تموت بالرصاص وكيف كسرت زوجتك كاحلها في الثمانينيات. أخبرها حتى لا تصرّ على الذهاب».
لم يخبرني أحمد.. كان منهمكاً بعمله.. وها إني بعد ثلاثين عاماً أركض سائلةً إذا جاء أحمد وعائلته من القرية بعد تجدّد القصف الهمجي الحاقد على الجنوب.. لا، لم يأتِ.. أصرّ على البقاء للحصاد.. وما بين تجدّد للقصف فهدوء نسبي وتجدّد للقصف.. مات أحمد.. هكذا.. لم يسعفه قلبه على البقاء أكثر، فغادر باكراً، غير أنّ روحه لم تفارق صريفا يوماً. فكّر يومها وأبلغ صبيّته بأن تقول لي إنّ القدوم للقطاف ليلاً خطر عليّ لأنّني غير متدرّبة.. لم يسعفني تعلّقي بالجنوب وبجنوب الجنوب حتى قبل أن أطأ أرضه المقدّسة للمشاركة في مغامرة القطاف.. نعم، لست متدرّبة.
دُفِنَ أحمد في صريفا وسط من تمكّن من الحضور لوداع جسده، وفي العزاء الذي أقيم في إحدى القرى المتنيّة، تحلّق النازحون هرباً من توحّش العدو حول عائلته معزّين، وكنت بينهم أتعرّف إلى الوجوه من جديد وأربطها بما أتذكّره من أسماء بعد مرور ثلاثة عقود. لم يكن لديّ سوى عدرا ألجأ إليها، كانت تبكي بمرارة وهي متعلّقة بأخيها فتشعر معها أنّ العائلة فقدت قائدها. ودّعتُ معها الناس على الباب وأنا أنتظر، فبعد ثلاثة عقود أبحث عن الجواب.. ما هي قصة أحمد وزوجته والهروب من هليكوبتر العدو؟
أحضرتُ لها فنجان القهوة، وسألتها من دون مقدّمات ومن دون أيّ عناية بدموعها المتناثرة تمسحها بمحرمة ورقيّة صارت بحجم حبّة الجوز في يدها.. صمتت لبرهة وقالت: «ألم يخبركِ أحمد؟».. لا.. لم يخبرني.فراحت تخبرني القصة كما لو أنّها تقصّ شيئاً عادياً جداً، لا كما رأيتها، مغامرة بل مخاطرة مرعبة.
كان أحمد وزوجته قد توجّها ليلاً بسيّارتهما إلى ناحية قطعة الأرض، من دون أن يشعلا ضوءيها.. فقد حفظ أحمد الطريق المتعرّجة وغير المعبّدة، فلا حاجة إلى إضاءة تعرّضهما للخطر.. وسيراً على الأقدام وصلا إلى أرضهما الحدوديّة وتغلغلا بين نبتات الدخان وراحا يقطفانها بشبه صمت تدرّبا عليه مطوّلاً كي لا يستفيق الوحش الذي احتلّ بلادنا.
وإذ تناهى إلى أذنيهما صوت الهليكوبتر، انبطحا أرضاً بين الشتلات الطويلة كي لا ينكشفا بأضواء الطائرة. لم تكن المرّة الأولى التي يحصل فيها ذلك ولا الأخيرة. لدى زواجه، سافر أحمد إلى بلاد الغربة وراء لقمة العيش حين كان العدو لا يزال يحتلّ قريته، ولكنّه لم يتحمّل الابتعاد فعاد.. عاد إلى أرضه وترابها المقدّس يزرع فيها شتلات الدخان والعدس والحمص والقمح. يعمل ليلاً، يزرع ليلاً ويحصد ليلاً كما لو أنّه كان يتحدّى الدنيا كلّها التي وقفت مع الظالم ضد المظلوم، مع المحتلّ ضدّ أهل الأرض...
لم ينتبه أحمد إلى الخنجر الذي وقع منه إلا بعد أن لمع إلى جانب وجهه عاكساً كشّافات الهليكوبتر بنورها الساطع. أخذ نفساً عميقاً وعرف أن هناك دورة ثانية لتحليقها فوقهما ومدّ يده ليخفي الخنجر فإذا بها تعود وتحلّق تماماً فوق رأسهما.. عرف أنّ أمرهما قد انكشف، فأمسك بيد زوجته وقال لها: «اركضي، اركضي من هذه الناحية بين الأشجار». فراحت تركض بأسرع ما يمكنها، وهو كان قد نهض معها وراح من ناحية ثانية. هذا هو الاتّفاق دوماً كي لا يصبح الأطفال أيتام الأم والأب معاً.
راح يركض ومن ثمّ يختبئ والهليكوبتر تلاحقه، وعرف أنّها نهايته. ركض وهو مطمئن بأنّهم لم يلحقوا بزوجته. لا يعرف تماماً كم استغرقه من الوقت هذا الركض والاختباء، فكل شيء كان سريعاً وبطيئاً في الوقت نفسه، وهو يراوح مكانه في أراضي قريته الحبيبة من بستان إلى حرج حتى وصل وبات قريباً من المنازل إذ رأى أضواء متسلّلة من بعض النوافذ. أضاعته الهليكوبتر فأخذ نفساً عميقاً فمشى مترنّحاً من التعب أملاً بالاستراحة عند إدراك أول منزل. كان قد وصل إلى حيّ موسكو.
- موسكو!
- نعم، حيّ موسكو هكذا نسمّيه. وهناك سمع «طحشة» و«خرطشة» كلاشينكوف، ففطن لما يجري، فراح يصرخ: «أنا أحمد، أنا أحمد، لا تطلقوا الرصاص، أنا أحمد». فركضوا إليه وساعدوه ليصل وأعطوه إبريق الماء ليبلّ ريقه كي يروي لهم كيف وصل إلى هذه الناحية من القرية. أخبرهم ما جرى معه. قرّروا الانتظار بعض الشيء قبل إيصاله إلى منزله للاطمئنان على زوجته. كانوا تحت المراقبة من العدو وخصوصاً في الليل. كاد أحدهم يرميه بالرصاص قبل أن يصرخ بأنّه أحمد.. اعتقدوا بأن هناك عملية إنزال فاستعدوا بأسلحتهم للمواجهة. وصلت زوجته إلى المنزل زحفاً فقد التوى كاحلها وهي تركض على التراب وبين الصخور. فقد أخذت طريق حيّ طهران لأنّه الأقرب.
- طهران؟
- لم يكن اسمه كذلك حينها. اسمه حاليّاً حيّ طهران.
- وحيّكم؟ ما اسمه.
- نحن موزّعون في كل أنحاء القرية، لكنّ أحمد كان كل ليلة من الأول من آذار يضيء زوبعة الحديد الكبيرة التي صنعها بيديه ووضعها على سطح منزله حيث يراها ليلاً كلّ الناس. أخبرتها عن ذكرياتي وأنا أشكّ الدخان وكيف نظرت إليّ والدتها الراحلة. ضحكت.. «وهل كنتِ تظنين أنّ في وسعك أن تكوني ابنة الجنوب في يوم وليلة؟».ضهور الشوير/ لبنان.
* من المجموعة القصصية المشتركة «حكايات الجنوب لا تنتهي: 44 قصة قصيرة عن جنوب لبنان»، التي صدرت حديثاً عن دار «فكر للأبحاث والنشر» في بيروت.