من مغص مفاجئ إلى نزيف.. لماذا يعاني الرياضيون من اضطرابات الجهاز الهضمي أثناء التمرين؟

قد لا تأتي علامات الخطر لدى الرياضي الذي يخوض سباقًا طويلًا من الساقين أو الرئتين، وإنما من الجهاز الهضمي؛ إذ يمكن أن يظهر مغص مفاجئ، أو غثيان، أو حاجة ملحة لدخول دورة المياه، أو إسهال، وهي أعراض قد تعرقل الأداء وتدفع الرياضي إلى التوقف عن المنافسة. وفي بعض الحالات، قد يرتبط المجهود البدني الشاق بحدوث نزيف في الجهاز الهضمي.

وتشير التفسيرات الطبية إلى أن هذه المشكلة قد تبدأ بتغير توزيع تدفق الدم أثناء التمرين، قبل أن تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها ضعف الحاجز المعوي والاستجابة المناعية.

تُعد أعراض الجهاز الهضمي شائعة بين الرياضيين، خاصةً ممن يمارسون التمارين لفترات طويلة أو بمستويات عالية من الشدة.

وبحسب الدكتور راغافيندرا د.، استشاري أمراض الجهاز الهضمي في مستشفيات أبولو، شيشادريبورام، بنغالورو، فإن اجتماع المجهود البدني الشاق مع انخفاض تدفق الدم إلى الأمعاء واضطراب الحاجز المعوي يمكن أن يلعب دورًا رئيسيًا في ظهور هذه الأعراض.

وقال الطبيب إن إحدى الآليات المهمة وراء المشكلة تُعرف باسم «متلازمة الجهاز الهضمي الناتجة عن التمارين الرياضية».

فعند ممارسة التمارين المكثفة، يوجه الجسم جزءًا أكبر من تدفق الدم إلى العضلات والقلب والجلد، بما يساعد على الحفاظ على الأداء وتنظيم درجة الحرارة، بينما ينخفض تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي.

وقد لا يكون لهذا التغيير تأثير واضح خلال التمارين القصيرة، لكن مع استمرار المجهود، خاصةً في الأجواء الحارة أو مع الإصابة بالجفاف، يمكن أن يؤثر انخفاض تدفق الدم مؤقتًا على بطانة الأمعاء.

لا تقتصر وظيفة الأمعاء على مرور الطعام، إذ تعمل بطانتها أيضًا كحاجز وقائي يمنع المواد الضارة الموجودة داخل الأمعاء من الوصول إلى مجرى الدم.

وقد تؤدي التمارين الشاقة إلى زيادة نفاذية هذه البطانة بصورة مؤقتة، ما يسمح بمرور بعض المنتجات البكتيرية، مثل السموم الداخلية، إلى الدورة الدموية.

وعند التعرف على هذه المواد باعتبارها تهديدًا محتملًا، قد يستجيب الجهاز المناعي بإطلاق استجابة التهابية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ظهور مجموعة من الأعراض، بينها ألم البطن والغثيان والإسهال والإرهاق.

لكن اختزال المشكلة في الجهاز المناعي وحده لا يعكس الصورة كاملة، إذ إن اضطرابات الجهاز الهضمي لدى الرياضيين عادةً ما تكون متعددة العوامل.

تلعب شدة التمرين ومدته دورًا مهمًا في ظهور الأعراض، إلى جانب الظروف المحيطة بالمنافسة أو التدريب.

كما يمكن أن يؤدي الجفاف والإجهاد الحراري إلى زيادة الضغط على الجهاز الهضمي، بينما قد تؤثر الأطعمة التي يتناولها الرياضي قبل التمرين مباشرةً في ظهور الأعراض.

وقد تكون بعض الأطعمة والمشروبات، مثل الوجبات الغنية بالألياف أو الدهون، والمشروبات الغنية بالكربوهيدرات، والكافيين، محفزة للأعراض لدى بعض الرياضيين.

كذلك، قد ترتبط بعض مسكنات الألم بالمشكلة، إذ يمكن أن تزيد مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) من خطر الإصابة بمشكلات في الجهاز الهضمي خلال تمارين التحمل الشاقة، ما يجعل تجنب استخدامها دون حاجة أمرًا مهمًا.

وتختلف درجة التأثر من رياضي إلى آخر، حسب حساسية الجهاز الهضمي وطبيعة استجابته للمجهود والتغذية.

بالنسبة للرياضيين الذين يعانون من اضطرابات معوية متكررة أثناء المنافسات، لا يعني الحل بالضرورة استبعاد مجموعات كبيرة من الأطعمة.

وينصح الخبراء عادةً بتحديد الأطعمة والكميات والتوقيتات التي يتحملها الجهاز الهضمي بشكل أفضل أثناء التدريب، بدلًا من تجربة نظام غذائي جديد قبل السباق مباشرة.

وتُعرف هذه الاستراتيجية باسم «تدريب الجهاز الهضمي»، وتعني تجربة التغذية التي سيعتمد عليها الرياضي في يوم السباق خلال فترات التدريب، للتأكد من ملاءمتها وعدم تسببها في أعراض مزعجة.

وقد يشمل ذلك اختبار مستويات الترطيب، وتناول الكربوهيدرات، وتوقيت الوجبات، وأنواع الأطعمة المختلفة خلال التدريبات، للوصول إلى النظام الأنسب لكل رياضي.

وقال الدكتور راغافيندرا إن استراتيجيات التغذية ينبغي أن تكون مخصصة لكل رياضي، بدلًا من اللجوء إلى تقييد الأطعمة بصورة مبالغ فيها.

معظم اضطرابات الجهاز الهضمي المرتبطة بالتمارين الشاقة تكون مؤقتة، لكن تكرار الأعراض أو شدتها يستدعي عدم التعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من حياة الرياضي.

ويحتاج الإسهال المستمر، وآلام البطن الحادة والمتكررة، والقيء، ووجود دم في البراز، وفقدان الوزن غير المبرر، أو الإصابة بفقر الدم، إلى تقييم طبي.

وينطبق الأمر نفسه على استمرار الأعراض حتى في فترات عدم ممارسة الرياضة، إذ لا ينبغي افتراض أنها ناتجة عن التدريب فقط.

وقد يحتاج الطبيب في هذه الحالات إلى البحث عن أسباب أخرى، من بينها أمراض الأمعاء الالتهابية، وداء السيلياك، والالتهابات المعوية، أو غيرها من اضطرابات الجهاز الهضمي.

توضح هذه العوامل أن اضطرابات الجهاز الهضمي أثناء المجهود البدني الطويل لا ترتبط بسبب واحد، وإنما قد تنتج عن تداخل مجموعة من العوامل، تشمل تدفق الدم، والحرارة، والترطيب، والتغذية، والأدوية، وحاجز الأمعاء، والاستجابة المناعية.

لذلك، فإن اضطراب المعدة الذي يظهر أثناء السباق قد لا يكون مجرد نتيجة طبيعية للمجهود، بل قد يمثل في بعض الحالات إشارة إلى مشكلة أخرى تستدعي الانتباه والتقييم الطبي.