تقدّمت المملكة العربية السعودية في تقرير السعادة العالمي لعام 2026 إلى المرتبة الثانية والعشرين عالميًا من بين 147 دولة، في رقم يستحق الاحتفاء، لأنه يعكس تأثير التحولات الوطنية الواسعة في جودة الحياة، ونمط العيش، والرياضة، والثقافة، والترفيه، والمشهد الحضري.
وبما أن الجامعات أوطان الصغيرة يعيش بين أروقتها الطالب والأكاديمي والموظف سنواتٍ من عمره، فلا بد أن نتساءل عن مستوى السعادة والرفاه فيها.
ولعلّ اختيار مصطلح «الرفاه الجامعي» أدق من الاكتفاء بالحديث عن «السعادة الجامعية». فالسعادة شعور شخصي متغير، قد يتأثر بيومٍ جيد أو موقفٍ عابر، أما الرفاه أو ما يُعرف عالميًا «Wellbeing» فهو مفهوم أوسع وأكثر مهنية، يعني أن تتوافر للإنسان الظروف التي تساعده على أن يعيش ويتعلم ويعمل بصورة صحية ومتوازنة؛ نفسيًا وجسديًا واجتماعيًا، ويشمل الإحساس بالأمان والانتماء والتقدير، وسهولة الوصول إلى الدعم، ووجود بيئة عادلة تساعد على النمو والإنجاز.
في هذا السياق يحضر بقوة مصطلح «الجامعة المعززة للصحة» وهو توجه عالمي تتبنّاه منظمة الصحة العالمية، يقوم على أن تتحول الجامعة من مؤسسة تعليمية محايدة إلى بيئةٍ تجعل من الصحة أولويةً في سياساتها وثقافتها، لا مجرد خدمةٍ تُقدَّم عند المرض. في حين تتبنّى وزارة الصحة هذا الاتجاه وطنياً عبر «برنامج المدن الصحية»، يظهر هذا التوجه في عدد من الجامعات السعودية. وعلى سبيل المثال: أطلقت جامعة الملك عبدالعزيز برنامج «الجامعة المعززة للصحة» عبر مركز تعزيز الصحة، وعلى الطريق ذاته، تتجه جامعة الملك خالد إلى صياغة أوسع وأكثر شمولاً من خلال مبادرتها «جامعة معززة للصحة وجودة الحياة»، وتُعد جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن من النماذج اللافتة في هذا المسار؛ إذ حصلت على اعتماد منظمة الصحة العالمية كأول حرم جامعي سعودي وعربي معزز للصحة وذلك من خلال «برنامج صحة نورة».
لكن مفهوم تعزيز الصحة، إذا بقي محصورًا في المعنى الوقائي أو الجسدي، لن يكفي لقراءة التجربة الجامعية كاملة. نحن بحاجة إلى مفهوم أوسع يضم الصحة النفسية والاجتماعية، والانتماء، والعدالة، ووضوح قيم العمل، إلى جانب جودة الحرم الجامعي نفسه: من مرافق، وخدمات، ومساحات مهياة سهلة الوصول، وتراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة بما يضمن مشاركتهم الكاملة في الحياة الجامعية.
فإذا كان برنامج جودة الحياة يعمل على تحسين نمط حياة الفرد والأسرة والمجتمع، وبرنامج المدن الصحية يجسّد الصحة في المدن والبيئات المحلية، فإن الجامعة ينبغي أن تكون المساحة التي تلتقي فيها هذه المسارات. ومن يعمل داخل الجامعة يعرف أن جودة الحياة الجامعية تتأثر بأمور كثيرة: الجداول المزدحمة، واللجان الطارئة، والإرشاد الجامعي، والموازنة بين البحث والتدريس، وضغط المعاملات، وغيرها من التفاصيل اليومية.
ولعل الخطوة القادمة تستدعي أن تبني جامعاتنا مؤشرًا معلنًا للرفاه الجامعي؛ كي تتحول التجربة اليومية للطالب والأكاديمي والموظف من انطباعات عامة إلى بيانات تساعد في معرفة ما يحتاج إلى تحسين.
فالرفاه الجامعي لا يتحقق بوجود الفعاليات والأنشطة والمسابقات، ولا بمجرد الإعلان عن خدمات طبية أو إرشادية. فوجود الخدمة لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إليها؛ إذ قد تكون المواعيد غير متاحة، أو إجراءات الحجز معقدة، فلا ينتفع بها من يحتاجها في الوقت المناسب.
لهذا، من الضروري أن تنتقل الجامعات من مرحلة المبادرات المتفرقة إلى مرحلة المؤشرات والسياسات، بوصفها جزءًا من الحوكمة. ويعني ذلك قياس دوري لرضا الطلاب والأكاديميين والموظفين، ومؤشرات واضحة للصحة النفسية والبدنية، والانتماء، والعدالة، والإرشاد، وإتاحة الخدمات والبيئة التعليمية للجميع، وجودة المرافق وكفايتها، وأثر الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية في حياة المجتمع الجامعي.ولا بد أن تشمل هذه المؤشرات الحرم الجامعي الرئيس والفروع على حدّ سواء، وأن تُعرض نتائجها بصورة منفصلة وواضحة، لا أن تُدمج في متوسط واحد. فدمج النتائج قد يخفي الفوارق بين المواقع، وقد يحجب احتياجات الفروع وتحدياتها الخاصة، رغم أن منسوبيها وطلابها يستحقون المستوى نفسه من الخدمات والفرص والاهتمام.
الجامعات بطبيعتها مكان للتحدي، والطموح، والتنافس، والمبادرات. لكن رفاه مجتمعها لا يُقاس بوفرة التوثيقات والجوائز والصور المبتسمة في منشوراتها الرسمية، بل بقدرتها على بناء بيئة إنسانية متوازنة؛ تقلل الاستنزاف وترفع الانتماء، وتُتاح فيها الخدمات بيسر، وتُوزع فيها الفرص بعدالة. وهي بيئة يبدأ أثرها من الحرم الجامعي، ويصل إلى الطالب والأكاديمي والموظف، ثم يمتد إيجابًا إلى المجتمع.
تقدّمت المملكة العربية السعودية في تقرير السعادة العالمي لعام 2026 إلى المرتبة الثانية والعشرين عالميًا من بين 147 دولة، في رقم يستحق الاحتفاء، لأنه يعكس تأثير التحولات الوطنية الواسعة في جودة الحياة، ونمط العيش، والرياضة، والثقافة، والترفيه، والمشهد الحضري.
وبما أن الجامعات أوطان الصغيرة يعيش بين أروقتها الطالب والأكاديمي والموظف سنواتٍ من عمره، فلا بد أن نتساءل عن مستوى السعادة والرفاه فيها.
ولعلّ اختيار مصطلح «الرفاه الجامعي» أدق من الاكتفاء بالحديث عن «السعادة الجامعية». فالسعادة شعور شخصي متغير، قد يتأثر بيومٍ جيد أو موقفٍ عابر، أما الرفاه أو ما يُعرف عالميًا «Wellbeing» فهو مفهوم أوسع وأكثر مهنية، يعني أن تتوافر للإنسان الظروف التي تساعده على أن يعيش ويتعلم ويعمل بصورة صحية ومتوازنة؛ نفسيًا وجسديًا واجتماعيًا، ويشمل الإحساس بالأمان والانتماء والتقدير، وسهولة الوصول إلى الدعم، ووجود بيئة عادلة تساعد على النمو والإنجاز.
في هذا السياق يحضر بقوة مصطلح «الجامعة المعززة للصحة» وهو توجه عالمي تتبنّاه منظمة الصحة العالمية، يقوم على أن تتحول الجامعة من مؤسسة تعليمية محايدة إلى بيئةٍ تجعل من الصحة أولويةً في سياساتها وثقافتها، لا مجرد خدمةٍ تُقدَّم عند المرض. في حين تتبنّى وزارة الصحة هذا الاتجاه وطنياً عبر «برنامج المدن الصحية»، يظهر هذا التوجه في عدد من الجامعات السعودية. وعلى سبيل المثال: أطلقت جامعة الملك عبدالعزيز برنامج «الجامعة المعززة للصحة» عبر مركز تعزيز الصحة، وعلى الطريق ذاته، تتجه جامعة الملك خالد إلى صياغة أوسع وأكثر شمولاً من خلال مبادرتها «جامعة معززة للصحة وجودة الحياة»، وتُعد جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن من النماذج اللافتة في هذا المسار؛ إذ حصلت على اعتماد منظمة الصحة العالمية كأول حرم جامعي سعودي وعربي معزز للصحة وذلك من خلال «برنامج صحة نورة».
لكن مفهوم تعزيز الصحة، إذا بقي محصورًا في المعنى الوقائي أو الجسدي، لن يكفي لقراءة التجربة الجامعية كاملة. نحن بحاجة إلى مفهوم أوسع يضم الصحة النفسية والاجتماعية، والانتماء، والعدالة، ووضوح قيم العمل، إلى جانب جودة الحرم الجامعي نفسه: من مرافق، وخدمات، ومساحات مهياة سهلة الوصول، وتراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة بما يضمن مشاركتهم الكاملة في الحياة الجامعية.