أسدلت محكمة الطفل بمدينة السادس من أكتوبر، أمس الخميس، الستار على واحدة من أبرز قضايا الحوادث التي شغلت الرأي العام خلال الأشهر الماضية، بعدما أصدرت حكمها في واقعة دهس هدير محمد شعبان، المعروفة إعلاميًا بـ«بائعة الشاي» في حدائق الأهرام، والتي انتهت بوفاتها وإصابة صديقتها «كنزي».
وقضت المحكمة بحبس المتهمة «جودي» لمدة عامين، والمتهم «مروان» لمدة عام، على خلفية الاتهامات المنسوبة إليهما في القضية، والتي تضمنت التسبب خطأ في وفاة هدير وإصابة صديقتها، إلى جانب اتهامات أخرى مرتبطة بقيادة السيارة دون ترخيص وتمكين شخص غير مرخص له بالقيادة من استخدامها.
تعود أحداث القضية إلى 18 يونيو 2026، عندما وقع حادث تصادم بشارع الجيش في منطقة حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، بعدما اصطدمت سيارة ملاكي بعربة للمشروبات كانت تقف بجوارها هدير وصديقتها.
وبحسب ما أعلنته وزارة الداخلية وقت الواقعة، كانت السيارة يقودها طالب يبلغ من العمر 15 عامًا، ولا يحمل رخصة قيادة، وكانت السيارة مملوكة لوالده، وبرفقته صديقته، قبل أن تختل عجلة القيادة وتصطدم بإحدى السيدات المتواجدات بجوار عربة المشروبات، ما أسفر عن وفاتها وإحداث تلفيات بالعربة.
وأفادت التحقيقات بأن الحادث وقع في شارع الجيش بمنطقة حدائق الأهرام، بينما اختلفت بعض أقوال الشهود في تحديد التوقيت الدقيق للحادث، إلا أن مصادر التحقيقات وتقارير لاحقة أكدت أن الواقعة حدثت في 18 يونيو 2026.
كشفت أقوال إحدى شاهدات العيان أمام النيابة عن تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل وفاة هدير، إذ قالت إنها فوجئت بسيارة تسير بسرعة كبيرة وتصطدم بعربة المشروبات التي كانت هدير تقف بجوارها.
وأوضحت الشاهدة أن قوة الاصطدام أدت إلى محاصرة هدير بين السيارة والعربة، بينما أصيبت صديقتها «كنزي» في الحادث.
وأظهرت أقوال شهود آخرين أن السيارة واصلت سيرها بعد الاصطدام لمسافة قبل أن تتوقف، فيما تدخل الأهالي عقب وقوع الحادث وأمسكوا بالمتواجدين داخل السيارة.
وصلت هدير إلى المستشفى جثة هامدة، وفق التقرير الطبي الذي تناولته التحقيقات.
وكشف التقرير عن وجود إصابات شديدة بالجثمان، من بينها جروح قطعية واشتبه في وجود كسور بالذراع، ونزيف في مناطق مختلفة، فضلًا عن إصابات بالغة في الساقين وصلت إلى حد البتر، وهي الإصابات التي تزامنت مع واقعة الدهس وأسفرت عن وفاتها.
وعقب انتهاء الإجراءات اللازمة، صرحت النيابة بدفن جثمان هدير، فيما استمرت التحقيقات لتحديد المسؤولية الجنائية عن الواقعة.
منذ الساعات الأولى للتحقيق، برز سؤال رئيسي أمام جهات التحقيق: من كان يقود السيارة لحظة وقوع الحادث؟
ففي البداية، ظهرت روايات متباينة حول هوية قائد السيارة، قبل أن تتسع دائرة التحقيقات لتشمل الطالب «مروان» وصديقته «جودي»، فضلًا عن والد مروان باعتباره مالك السيارة.
وفي بداية التحقيقات، ذكر الطالب البالغ من العمر 15 عامًا أنه كان قائد السيارة وقت وقوع الحادث، وأن عجلة القيادة اختلت بيده، ما أدى إلى وقوع التصادم.
لكن القضية لم تتوقف عند هذه الرواية، إذ كشفت التحقيقات اللاحقة عن أقوال متضاربة بين المتهمين بشأن من كان خلف عجلة القيادة لحظة الاصطدام.
لم تعتمد جهات التحقيق على أقوال المتهمين وحدها، وإنما جرى التحفظ على تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة في محيط مكان الحادث، وفحص خط سير السيارة قبل الواقعة وبعدها.
وبحسب ما ورد في التحريات، رصدت الكاميرات تحرك السيارة من أمام أحد العقارات في حدود الساعة 5:26 مساءً، ثم وقوع الحادث بعد دقائق، قبل أن تستمر السيارة في السير وتتوقف في مكان آخر.
كما رصدت إحدى الكاميرات السيارة قبل موقع الحادث بنحو 250 مترًا، وظهر المقعد الأمامي المجاور للسائق خاليًا، بينما كانت جودي تجلس في المقعد الخلفي، وفق ما أوردته التحريات. وبعد الحادث، أظهرت كاميرات أخرى نزول مروان من مقعد القيادة، بينما نزلت جودي من الباب الخلفي.
وأصبحت تسجيلات المراقبة لاحقًا من الأدلة التي استندت إليها النيابة العامة خلال المحاكمة، حيث قدم ممثل النيابة فلاشة تتضمن تسجيلًا للحادث إلى هيئة المحكمة باعتبارها حرزًا في القضية.
خلال التحقيقات، أدلى مروان بأقوال تضمنت تفاصيل عن كيفية حصوله على سيارة والده.
وبحسب ما ورد في التحقيقات المنشورة، قال إنه حصل على مفاتيح السيارة بينما كان والده نائمًا، ثم خرج بها، والتقى بجودي، قبل أن يحدث بينهما تبادل لمقعد القيادة بعدما طلبت جودي تجربة القيادة.
وفي روايته اللاحقة، قال إن جودي فقدت السيطرة على السيارة أثناء قيادتها، ما أدى إلى اصطدامها بعربة المشروبات.
كما واجهته جهات التحقيق بتناقض أقواله، بعدما كان قد أدلى في البداية بأقوال حمل خلالها نفسه مسؤولية القيادة، قبل أن يوجه المسؤولية لاحقًا إلى جودي، موضحًا أنه كان يرغب في عدم الإضرار بمستقبلها.
في المقابل، أنكرت جودي خلال التحقيقات أن تكون هي من قادت السيارة لحظة وقوع الحادث.
وقالت في أقوالها إنها كانت برفقة مروان، وإنها جلست في المقعد الخلفي، بينما كان مروان هو من يقود السيارة، قبل أن يقع التصادم.
كما نفت أن تكون تولت القيادة وقت اصطدام السيارة بعربة المشروبات، وأشارت إلى أن الرمال الموجودة بمحيط الطريق جعلت تحديد هوية قائد السيارة أمرًا غير واضح من وجهة نظرها.
واصلت نيابة الطفل بالجيزة تحقيقاتها، واستمعت إلى أقوال المصابة «كنزي» وعدد من شهود العيان، إلى جانب فحص كاميرات المراقبة ومعاينة مكان الحادث.
وأصبحت أقوال «كنزي» عنصرًا مهمًا في القضية، باعتبارها كانت برفقة هدير وقت وقوع الحادث ونجت منه، كما استمعت المحكمة إليها خلال نظر القضية بعد إنكار المتهمين للاتهامات المنسوبة إليهما.
لم تتوقف التحقيقات عند الطفلين، إذ شملت والد مروان، مالك السيارة، للتحقيق في مدى مسؤوليته عن تمكين نجله القاصر من استخدام السيارة رغم عدم حصوله على رخصة قيادة.
وقررت جهات التحقيق في وقت سابق حبسه على ذمة التحقيقات، قبل أن يتم تجديد حبسه، على خلفية اتهامه بتمكين نجله من استخدام السيارة رغم عدم أحقيته في القيادة.
كما قررت النيابة العامة لاحقًا إحالة والد مروان إلى المحاكمة الجنائية على خلفية الاتهامات المتعلقة بتمكين نجله من قيادة السيارة.
بعد استكمال التحقيقات، أحيل مروان وجودي إلى محكمة الطفل بمدينة السادس من أكتوبر.
ووفق أمر الإحالة، واجهت جودي اتهامات بالتسبب خطأ في وفاة هدير، نتيجة الإهمال والرعونة وعدم الاحتراز وعدم مراعاة القوانين واللوائح، إلى جانب التسبب في إصابة كنزي وإتلاف عربة المشروبات.
كما واجه مروان اتهامًا بالسماح بقيادة المركبة لشخص غير مرخص له بالقيادة، فضلًا عن قيادته مركبة آلية دون رخصة وفق الاتهامات الواردة في أمر الإحالة.
بدأت محاكمة الطفلين في يوليو 2026، وشهدت أولى الجلسات مواجهة المتهمين بالاتهامات المنسوبة إليهما، إلا أنهما أنكرا ما أسند إليهما.
وقررت المحكمة خلال إحدى الجلسات استدعاء «كنزي» للاستماع إلى أقوالها حول ملابسات الحادث وتحديد من كان يقود السيارة وقت وقوع التصادم.
كما استمر حبس المتهمين على ذمة القضية، مع تأجيل نظرها إلى جلسات لاحقة.