من طوكيو إلى هانوفر.. مصر ترسم ملامح «السياحة التجديدية» بخطة استدامة وتوسع دولي

يشهد قطاع السياحة المصري ، حراكا كبيرا خلال الفترة الراهنة رافعا شعار السياحة التجديدية لتنفيذ رؤية مصرية تهدف لإعادة صياغة المشهد السياحي وبناء قطاع أكثر قدرة على الصمود والاستدامة، وتوسيع نطاق العمل من مجرد زيادة أعداد السائحين إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا وقدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية، مع وتنويع الأسواق والمنتجات وتطوير البنية الأساسية والبرامج التسويقية.

وتتحرك وزارة السياحة والآثار في أكثر من مسار بالتوازي، سواء على مستوى الأسواق الخارجية، أو تطوير المنتجات والتجارب السياحية، أو الاستثمار في البنية التحتية والعنصر البشري، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي والاستفادة من التكنولوجيا والتحول الرقمي.

ويعكس هذا التحرك محاولة لبناء منظومة متكاملة تستفيد من تنوع المقومات المصرية، ولا تعتمد على نمط سياحي واحد أو سوق بعينه، في وقت تتغير فيه توجهات السائحين وتتزايد المنافسة بين المقاصد السياحية حول العالم.

وأكد شريف فتحي وزير السياحة والآثار، خلال مشاركته في مائدة مستديرة وزارية عقدت بالتزامن مع معرض اليابان الدولي للسياحة Tourism Expo Japan 2026 في العاصمة اليابانية طوكيو ، أن مستقبل السياحة لا يرتبط فقط بالحفاظ على الموارد القائمة، وإنما بقدرة المقاصد على خلق قيمة مستدامة للمجتمعات المحلية والزائرين والبيئة.

وطرح الوزير رؤية مصر بشأن بناء قطاع أكثر قدرة على الصمود والاستدامة ، أمام المشاركين في المائدة التي عقدت تحت عنوان “إعادة تصور مستقبل السياحة – استراتيجيات الاستثمار نحو سياحة تجديدية”، وهو مفهوم يتجاوز فكرة الحفاظ على الموارد إلى السعي لتحقيق أثر إيجابي ومستدام على المقاصد السياحية والمجتمعات المحلية والبيئة، بمشاركة وزراء سياحة من اليابان واليونان وجورجيا والأردن وأذربيجان والجابون وبوتان وقيرغيزستان والفلبين وتنزانيا، إلى جانب ممثلين عن عدد من المنظمات والهيئات السياحية الدولية، بما يعكس أهمية الفعالية باعتبارها منصة لتبادل الرؤى بشأن مستقبل صناعة السياحة عالميًا.

وقال إن الوزارة تربط في رؤيتها بين عدد من المحاور، تشمل حماية التراث الطبيعي والثقافي، والتحول الرقمي، والابتكار، والاستثمار في العنصر البشري، إلى جانب تنويع المنتجات السياحية، بما يسمح بجذب شرائح مختلفة من السائحين على مدار العام، وتستهدف هذه الرؤية، تعزيز الأمن الاقتصادي السياحي وتحقيق أثر اجتماعي أكبر لنمو القطاع، بحيث لا يقتصر مردود زيادة الحركة السياحية على المؤشرات الاقتصادية فقط، وإنما يمتد إلى المجتمعات المحلية المحيطة بالمقاصد السياحية.

ويأتي الحفاظ على التراث في مقدمة الملفات التي تتحرك فيها الوزارة، خصوصًا مع امتلاك مصر رصيدًا استثنائيًا من المواقع الأثرية والمتاحف.

وفي هذا السياق، أشار الوزير إلى تطوير نماذج للشراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف رفع مستوى الخدمات في المواقع الأثرية والمتاحف وتحسين تجربة الزائر، مع العمل على تعظيم الإيرادات التي يمكن إعادة توجيهها إلى أعمال صيانة والحفاظ على الآثار، كما تتوسع الوزارة في تطبيق الممارسات الخضراء داخل المنشآت والمواقع السياحية، بما يشمل الفنادق ومراكز الغوص والمتاحف والمواقع الأثرية، في محاولة لجعل الاستدامة جزءًا من عملية تطوير القطاع وليس مجرد مبادرات منفصلة.

ويرتبط هذا الاتجاه بالتغيرات التي يشهدها الطلب السياحي عالميًا، مع زيادة الاهتمام بالتجارب المسؤولة بيئيًا وبالمقاصد التي تراعي الحفاظ على مواردها الطبيعية والثقافية.

ويمثل التحول الرقمي محورًا آخر في استراتيجية الوزارة، التي ترى أن تطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد في بناء مقاصد سياحية أكثر ذكاءً وتحسين إدارة الموارد ورفع كفاءة الخدمات، مع ضرورة عدم فصل العنصر البشري، باعتباره أحد أهم مكونات التجربة السياحية.. ولهذا تعمل الوزارة على تطوير مهارات العاملين وتأهيل الكوادر، ومن بين الأدوات التي أطلقتها منصة السياحة والآثار للتدريب EGTAP.

ويشير ذلك إلى توجه نحو ربط تطوير المنتج السياحي بتطوير الخدمة المقدمة للسائح، وليس الاكتفاء بتطوير المنشآت والمواقع فقط فالتجربة السياحية في النهاية تتأثر بمستوى التعامل والخدمات والإرشاد والنقل والضيافة، وهي عناصر تجعل التدريب جزءًا أساسيًا من القدرة التنافسية للمقصد.

يحتل المتحف المصري الكبير موقعًا بارزًا في التحركات السياحية المصرية، سواء باعتباره أحد أهم المقاصد الثقافية الجديدة، أو باعتباره نموذجًا للتعاون الدولي.

وخلال زيارة الوزير إلى اليابان، بحث شريف فتحي مع يوكو ميتسوي، نائب الرئيس الأول للوكالة اليابانية للتعاون الدولي “جايكا”، سبل تعزيز التعاون بين الجانبين، ولا سيما ما يتعلق بدعم المتحف المصري الكبير.. حيث أكد الجانبان أهمية التعامل مع المتحف باعتباره كيانًا ذا طبيعة اقتصادية إلى جانب دوره الثقافي والعلمي، بما يساعد على تعظيم الاستفادة من إمكاناته وموارده، فضلًا عن تطوير الإدارة والتشغيل والاستفادة من الخبرات اليابانية.

كما تناول اللقاء تطوير البحث العلمي بالمتحف وزيادة إنتاج ونشر الدراسات المتخصصة، بما يعزز مكانته كمركز للبحث العلمي والتبادل المعرفي ويجذب الباحثين والخبراء من مختلف دول العالم.

وتعمل الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي على تنويع المنتجات التي يجرى الترويج لها، وعدم حصر الجهود في الأنماط التقليدية.. وفي هذا الإطار، استضافت الوزارة وفدًا يضم ممثلي 14 شركة روسية من الشركات المتخصصة في سياحة الرفاهية وسياحة الحوافز والمؤتمرات، ضمن رحلة تعريفية إلى القاهرة والعلمين الجديدة.

وتأتي الخطوة في إطار استراتيجية تستهدف تنويع المنتجات والتجارب السياحية والترويج لوجهات جديدة، مع التركيز على الشرائح الأعلى إنفاقًا، إلى جانب تعزيز حضور مصر في السوق الروسي الذي يعد من الأسواق المهمة بالنسبة للحركة السياحية الوافدة إلى مصر.

وتكتسب هذه اللقاءات أهمية من زاوية تحويل الترويج من مجرد عرض للمقومات السياحية إلى تواصل مباشر مع منظمي الرحلات، وبحث كيفية تصميم برامج جديدة تجمع بين أكثر من مقصد ومنتج سياحي.

من جانبه، رأى الدكتور أحمد يوسف، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، أن هذه التحركات تستهدف تعزيز تنافسية المقصد المصري وتنويع الطلب، مع فتح المجال أمام منتجات مثل سياحة الرفاهية وسياحة الحوافز والمؤتمرات، إلى جانب التعريف بالوجهات الجديدة والواعدة.

ولا تقتصر جهود تطوير التجربة السياحية على الفنادق والمواقع والبرامج السياحية، وإنما تمتد إلى النقل السياحي باعتباره عنصرًا أساسيًا في سلامة السائح وكفاءة الرحلة.

ويؤكد ذلك مشاركة سامية سامي، مساعد وزير السياحة والآثار لشئون شركات السياحة، في معرض IAA TRANSPORTATION 2026 بمدينة هانوفر الألمانية، للتعرف على أحدث تقنيات النقل وأنظمة إدارة الأساطيل ومتابعة المركبات.

وشملت اللقاءات مع الشركات المتخصصة بحث أنظمة تتبع المركبات السياحية وإمكانات الاستفادة منها في تطوير منظومة الرقابة والمتابعة التابعة للوزارة، بما يساعد على رفع كفاءة متابعة حركة المركبات وأداء السائقين.