من سيقرأ كل هؤلاء؟ – د. غالب محمد  طه

رأيت مؤخرًا صورًا لخريجي الإعلام، ووجدتني أسأل: من سيقرأ كل هؤلاء؟ من سيستمع إليهم ويشاهد ما ينتجون خلال السنوات المقبلة؟

استغربت السؤال الذي خطر لي. كنت أتوقع أن أفكر في وظائفهم، وفي المؤسسات التي ستستقبلهم، وفيما تعلموه خلال سنوات الدراسة. لكنني أخذت أفكر في جمهورهم، وفي الأجيال التي سيخاطبونها حين يبدأون العمل.

نُعدّ هؤلاء اليوم للعمل في الإعلام، فهل نفكر بالقدر نفسه في جمهورهم المقبل؟

الصحيفة، مثلًا، لم تستسلم عندما بدأ الورق يتراجع. انتقلت إلى الموقع الإلكتروني، ثم التطبيق، ثم حساباتها على المنصات الاجتماعية. والتلفزيون ذهب إلى يوتيوب ومنصات البث والمشاهدة عند الطلب، ووجدت الإذاعات في البودكاست مجالًا جديدًا لإتاحة برامجها وإنتاج محتوى يُسمع خارج مواعيد البث.

تغيرت الوسائط، ووصل المحتوى إلى أماكن جديدة. لكن هل يكفي ذلك لضمان جمهور جديد؟ يمكن لصحيفة أن تستمر رقميًا، لكن ماذا لو جاء وقت لا يجد فيه الجيل الجديد سببًا لقراءة ما تنشره؟ ويمكن لقناة أن تضع برامجها على يوتيوب، لكن إتاحتها لا تعني أن مشاهد الغد سيختارها من بين كل ما يجد أمامه.

كنا من جيل محظوظ. كنا نرى الأب يعود من عمله وفي يده صحيفة، فنراها قبل أن نعرف ماذا يقرأ فيها، وقد تمتد إليها أيدينا بعد أن يفرغ منها. وكنا نتحلق أمام التلفاز؛ للصغار نصيبهم وللكبار برامجهم. وكانت الإذاعة حاضرة في البيت والسيارة وفي تفاصيل يوم عادي.

لم يقل لنا أحد: عليكم أن تصبحوا قراء للصحف أو مستمعين للإذاعة أو مشاهدين للتلفزيون. حدث الأمر ببساطة. نشأنا وهذه الوسائل جزء من البيت والحياة. لم تكن تحمل إلينا الأخبار وحدها، بل الثقافة والفن والبرامج الاجتماعية، والتعليم، والتوعية، والترفيه. كانت الصحيفة تصل إلى البيت من أجل الأب، ثم تقع أيضًا في يد طفل يتصفحها بدافع الفضول.

أما طفل اليوم، فلم يتوقف عن استهلاك المحتوى، لكنه لا يعيش المشهد نفسه. أمامه يوتيوب وتيك توك وسناب شات وإنستغرام، ومنصات الألعاب، والبث وغيرها. قد يعرف أشخاصًا ويتابعهم قبل أن يعرف أسماء الصحف والقنوات. وما يظهر على شاشته تسهم توصيات المنصة في اختياره، وقد يختلف كثيرًا عما يشاهده سائر أفراد البيت.

أتذكر مشهد بيتنا لأفهم كيف بدأت علاقتنا بالإعلام، وأتساءل عن الظروف التي تتشكل فيها علاقة طفل اليوم به. فالسنوات الأولى تصنع شيئًا من عاداته واهتماماته، حتى لو تغيرت اختياراته لاحقًا.

ثم ننتظره خمسة عشر عامًا، وعندما لا يأتي إلى الصحيفة أو القناة أو الإذاعة نسأل: لماذا ابتعد الشباب عن الإعلام؟ وقد يكون عرف الإعلام منذ البداية في أماكن أخرى.

لهذا تستوقفني التجارب التي خصصت موارد لإنتاج محتوى للأطفال والشباب. ففي بريطانيا، أُطلق «صندوق محتوى الجمهور الشاب» لدعم أعمال موجهة إلى الفئات العمرية الصغيرة، في تجربة امتدت بين عامي 2019 و2022. كانت تجربة محددة المدة، لكنها تعكس فكرة بسيطة: الاهتمام بجمهور المستقبل يحتاج إلى إنتاج يصل إليه الآن.

وقد نجد في صحيفة عربية مقالات ونقاشات عن الأطفال وتعليمهم وتنمية قدراتهم، ثم نبحث عما يخاطب هؤلاء الأطفال أنفسهم فلا نجد إلا القليل. نكتب عنهم، ونخاطب الآباء والمعلمين والمسؤولين بشأنهم، وهذا مهم. لكن ماذا نكتب لهم؟ إذا كنا نراهم قراء الغد، فما الذي نقدمه لهم اليوم؟

يمتد السؤال إلى سنوات المراهقة والجامعة، حين تتغير اهتماماتهم ويبحثون عما يخاطب تجاربهم الجديدة. لا يلزم أن تقدم كل مؤسسة محتوى لجميع الأعمار، لكن المؤسسة التي تقلق من ارتفاع أعمار جمهورها تحتاج إلى أن تسأل عمّن يجد مكانًا في محتواها الآن، وعمّن تؤجل الاهتمام به.نحن نتحدث كثيرًا عن «الوصول إلى الشباب»، ونقيس نجاحنا بالمشاهدات والمتابعين. لكن هذه الأرقام لا تخبرنا وحدها بما يتكون لدى الجمهور الأصغر من اهتمامات وعادات، ولا بما سيبحث عنه بعد سنوات. قد يصل المحتوى إلى هاتفه مرارًا، من دون أن يشعر بأن شيئًا فيه يعنيه. هنا تبرز مسألة تجدد الجمهور. نحن نعرف أن المؤسسات تحتاج إلى تجديد كوادرها؛ الجامعات تخرج دفعات، ويغادر صحفيون ويأتي غيرهم، وتظهر أصوات ووجوه جديدة. لكن عندما يتقدم قارئ اليوم في العمر، هل ينشأ قارئ أصغر يحمل عادة القراءة من بعده؟ وهل يجد المستمع والمشاهد الأصغر ما يستحق المتابعة؟

أم أننا نجدد الإعلاميين، ولا نفكر بالقدر نفسه في تجدد الجمهور؟

وعندها عدت إلى صور طلاب الإعلام التي بدأ منها السؤال. هؤلاء ليسوا إعلاميي المستقبل فقط، بل هم أنفسهم جزء من الجيل الذي نتحدث عنه. ماذا يقرأ طالب الإعلام اليوم؟ هل يدخل موقع صحيفة لأنه يريد معرفة ما نشرت، أم يصل إلى المادة من رابط مر أمامه؟ ماذا يسمع في البودكاست، ومن أين تأتيه الثقافة والفنون والمعرفة العامة؟

ليست هذه أسئلة للحكم على الطلاب. إجاباتهم قد تساعدنا على فهم التحول الذي يحدث أمامنا، وتساعدهم هم أيضًا على تأمل عاداتهم. فبعضهم سيكون بعد سنوات مسؤولًا عن مخاطبة جيل يأتي بعده، وفهم تجربته اليوم قد يكون بداية لفهم جمهوره المقبل.لقد قضينا سنوات نسأل عن مستقبل الصحيفة والتلفزيون والإذاعة، ثم عن مستقبل الإعلام في زمن المنصات، واليوم نسأل عما سيفعله الذكاء الاصطناعي بالمهنة. ويستحق جمهور الغد نصيبه من هذا القلق والاهتمام.

أنظر مرة أخرى إلى صور الخريجين. نعرف كيف وصل هؤلاء إلى يوم التخرج؛ وراءهم سنوات من الدراسة والتدريب. وأفكر في الأطفال الذين سيكبرون خلال سنوات عملهم، وتتشكّل علاقتهم بالمحتوى الآن، في البيوت وعلى الشاشات.

وحين يدخل هؤلاء الأطفال الجامعة، سيكون بعض خريجي اليوم قد أمضى سنوات في صناعة الإعلام. ماذا سيكون قد قدّم لهم خلالها؟

رأيت مؤخرًا صورًا لخريجي الإعلام، ووجدتني أسأل: من سيقرأ كل هؤلاء؟ من سيستمع إليهم ويشاهد ما ينتجون خلال السنوات المقبلة؟

استغربت السؤال الذي خطر لي. كنت أتوقع أن أفكر في وظائفهم، وفي المؤسسات التي ستستقبلهم، وفيما تعلموه خلال سنوات الدراسة. لكنني أخذت أفكر في جمهورهم، وفي الأجيال التي سيخاطبونها حين يبدأون العمل.

نُعدّ هؤلاء اليوم للعمل في الإعلام، فهل نفكر بالقدر نفسه في جمهورهم المقبل؟

الصحيفة، مثلًا، لم تستسلم عندما بدأ الورق يتراجع. انتقلت إلى الموقع الإلكتروني، ثم التطبيق، ثم حساباتها على المنصات الاجتماعية. والتلفزيون ذهب إلى يوتيوب ومنصات البث والمشاهدة عند الطلب، ووجدت الإذاعات في البودكاست مجالًا جديدًا لإتاحة برامجها وإنتاج محتوى يُسمع خارج مواعيد البث.

تغيرت الوسائط، ووصل المحتوى إلى أماكن جديدة. لكن هل يكفي ذلك لضمان جمهور جديد؟ يمكن لصحيفة أن تستمر رقميًا، لكن ماذا لو جاء وقت لا يجد فيه الجيل الجديد سببًا لقراءة ما تنشره؟ ويمكن لقناة أن تضع برامجها على يوتيوب، لكن إتاحتها لا تعني أن مشاهد الغد سيختارها من بين كل ما يجد أمامه.

كنا من جيل محظوظ. كنا نرى الأب يعود من عمله وفي يده صحيفة، فنراها قبل أن نعرف ماذا يقرأ فيها، وقد تمتد إليها أيدينا بعد أن يفرغ منها. وكنا نتحلق أمام التلفاز؛ للصغار نصيبهم وللكبار برامجهم. وكانت الإذاعة حاضرة في البيت والسيارة وفي تفاصيل يوم عادي.