في لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث، وتحديداً في عام 1969، وقف المهندس والأكاديمي البارز الدكتور عزيز صدقي وزير الصناعة والثروة المعدنية والبترول آنذاك، تحت قبة البرلمان (مجلس الأمة) ليقطع صمت مرحلة عصيبة أعقبت حرب 1967 ببيان تاريخي أعلن فيه عن اكتشافات بترولية جديدة امتدت من أعماق خليج السويس إلى اتساع الصحراء الغربية .
ولم يكن بيان عزيز صدقي مجرد أرقام وإحصاءات بل كان بمثابة إعلان ميلاد لخريطة الطاقة الحديثة في مصر، إعلان تحولت بموجبه البلاد من دولة تحاول تعويض خسائر حقول سيناء الإستراتيجية إلى قوة نفطية واعدة أرست دعائم اقتصاد الصمود، وامتدت آثاره لتعيد رسم ملامح قطاع البترول المصري حتى يومنا هذا.
ففي نهاية الستينيات من القرن الماضي كانت مصر تخوض حرب استنزاف ضارية، وكانت هناك حاجه ملحة لتأمين الموارد المالية والبترولية لدعم الاستعدادات العسكرية، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، فجاء بيان عزيز صدقي عام 1969 ليزف للشارع المصري نبأ نجاح عمليات التنقيب والحفر من خليج السويس إلى الصحراء الغربية .
ومنذ هذه اللحظة التي شهدت تأكيد القدرات الإنتاجية لحقل "مرجان" بخليج السويس، وإعلان اكتشاف حقل "أبو الغراديق" في الصحراء الغربية، وهو الكشف الذي غير وجه الصحراء الغربية تماماً، حيث كشف عن وجود كميات تجارية ضخمة من البترول والغاز الطبيعي معاً، فضلا عن البناء على كشف "أبو ماضي" عام 1967 باعتباره أول اكتشاف للغاز الطبيعي في الدلتا، والذي شكل إشارة البدء لعصر الغاز الطبيعي في مصر، وتواصل مصر ممثلة في وزارة البترول والثروة المعدنية جهودها في البحث والاستكشاف، وهو ما شهد ذروته خلال السنوات القليلة الماضية بدعم غير مسبوق من القيادة السياسية .
وفي الوقت الذي تخطو فيه مصر اليوم خطوات متقدمة نحو ترسيخ موقعها كمركز إقليمي لتداول الطاقة بالاعتماد على اكتشافات البحر المتوسط والدلتا والصحراء الغربية، يظل خطاب عام 1969 الشاهد الأبرز على أن صناعة النفط المصرية هي صناعة تراكمية، صمدت في أصعب الظروف السياسية، ولا تزال آثارها ممتدة في شرايين الاقتصاد الوطني.
فقبل عام 1969 كان التركيز على الاكتشافات الجديدة منصباً على منطقة خليج السويس وسيناء، غير أن خطاب عزيز صدقي وتوجهات الدولة في ذلك الوقت أطلقا ما يمكن تسميته بـ "الزحف النفطي نحو الصحراء الغربية" وهو ما فتح الباب أمام تأسيس شراكات إستراتيجية مع كبرى الشركات العالمية مثل "أموكو" الأمريكية و"إيني" الإيطالية، واعتمدت مصر نموذج "عقود مشاركة الإنتاج"، مما جذب الاستثمارات الأجنبية في وقت كانت فيه الدولة في أشد الحاجة لرؤوس الأموال.
ولا تكمن القيمة الحقيقية للاكتشافات التي أعلن عنها عزيز صدقي تحت قبة البرلمان عام 1969 فقط في البراميل التي أُنتجت في الستينيات والسبعينيات، بل في البنية التحتية والعقيدة الاستكشافية التي توارثها قطاع البترول المصري حتى يومنا هذا، حيث أصبحت الصحراء الغربية تسهم اليوم بنسبة كبيرة من إنتاج مصر اليومي من الزيت الخام والغاز، ولا تزال تشهد اكتشافات متتالية تعتمد على الطبقات العميقة للطبقات الرسوبية ذاتها التي جرى اكتشافها عام 1969.
كما شكلت اكتشافات الغاز الأولى (أبو الغراديق وأبو ماضي) النواة التي بنيت عليها الشبكة القومية للغاز الطبيعي، والتي تُعد اليوم واحدة من أقوى شبكات نقل وتوزيع الغاز في الشرق الأوسط، فضلا عن أن حقول خليج السويس التي تحدث عنها الوزير عزيز صدقي عام 1969 لا تزال تنتج النفط حتى اليوم، وذلك بفضل الاستثمارات المستمرة في تقنيات المسح السيزمي ثلاثي الأبعاد والحفر الممتد .
وعلى مدار السنوات الخمس الأخيرة، شهد قطاع البترول والغاز في مصر طفرة استكشافية جديدة ومكثفة، مستفيدة من التقنيات الحديثة المسحية والحفر العميق لتأكيد أن هذه الخريطة ما زالت غنية بالفرص والقدرات.وتركزت أبرز الاكتشافات والتطورات النفطية والغازية خلال الفترة الأخيرة في الصحراء الغربية، حيث تحققت عدة اكتشافات متلاحقة للنفط الخام والمكثفات في منطقة "مليحة" و"العلمين الجديدة" و"غرب كلابشة" و"الضبعة"، مما أضاف آلاف البراميل يومياً لإنتاج الزيت الخام المصري.
كما حققت شركة "عجيبة للبترول" بالتعاون مع "إيني" الإيطالية أضخم كشف غازي بالصحراء الغربية، بحجم احتياطيات يقدر بـ 330 مليار قدم مكعب، مما أثبت أن الصحراء الغربية ما زالت تطوي في أعماقها خزانات غازية واعدة بجانب النفط الخام.
أما منطقة خليج السويس والتي شهدت إطلاق حقل "مرجان" التاريخي، عادت للمشهد مجدداً عبر اكتشافات نوعية، ومنها ما أعلنته شركة "جابكو" عن اكتشاف نفطي واعد في منطقة شمال شرق رمضان بخليج السويس باحتياطيات تتجاوز عشرات الملايين من البراميل، ليؤكد أن خليج السويس لا يزال يحمل مكامن نفطية لم تكتشف بعد بفضل تكنولوجيا المسح السيزمي ثلاثي الأبعاد المتقدم.كما توسعت الرؤية الاستراتيجية التي بدأت بحقل "أبو ماضي" عام 1967 لتشمل أعماق البحر المتوسط، حيث تم الإعلان عن كشف غازي كبير في منطقة امتياز "نرجس" البحرية باحتياطيات كبرى تقدر بـ 3.5 تريليون قدم مكعب من الغاز، ليشكل إضافة هامة لاحتياطيات الغاز الطبيعي لمصر، إلى جانب حقل "ظُهر" العملاق.
ولاتزال وزارة البترول والثروة المعدنية تعلن عن عشرات الاكتشافات المتكاملة سواء النفطية والغازية الموزعة بين الصحراء الغربية وخليج السويس والدلتا، والتي أسهمت في دعم معدلات الإنتاج وتوفير احتياطيات هيدروكربونية تقدر بـ 2.8 تريليون قدم مكعب من الغاز، بجانب زيادة إنتاج الخام والمكثفات، وهو ما يؤكد أن خريطة البترول المصرية التي أُعيد رسمها قبل أكثر من خمسة عقود لا تزال تتجدد، لتبقى الطاقة شريانا أساسيا للتنمية الاقتصادية والأمن القومي المصري.