لم يكن خطاب سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله-، في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، مجرد استعراض لما تحقق خلال السنوات الماضية، بل كان قراءة لمسيرة وطن انتقل خلال عقد واحد من مرحلة بناء الطموح إلى مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكتسبات، وتعظيم أثرها، والاستعداد لما بعد رؤية 2030.
ولعل من أبرز ما يلفت النظر في حصيلة هذه المسيرة أن 93 في المائة من مؤشرات أداء رؤية السعودية 2030 حققت مستهدفاتها السنوية أو شارفت على تحقيقها، فيما تسير 90 في المائة من مبادرات الرؤية المكتملة أو التي تسير وفق مسارها الصحيح، إلى جانب أكثر من ألف إصلاح هيكلي واقتصادي ومالي وتشريعي، وهو ما يعكس حجم التحول الذي شهدته المملكة خلال السنوات الماضية.
كما شهد الاقتصاد السعودي تحولًا واضحًا في بنيته؛ فقد ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت مساهمة القطاع الخاص 51 في المائة، فيما نمت الصادرات غير النفطية السلعية من 242 مليار ريال إلى أكثر من 623 مليار ريال، وانخفضت البطالة بين السعوديين إلى 7.2 في المائة بنهاية 2025 مقارنة بـ12.3 في المائة في 2016.
لكنني، وأنا أقرأ هذه الأرقام، توقفت عند سؤال أراه أكثر أهمية من سؤال: ماذا أنجزنا؟
ماذا نحتاج أن نصنع بالإنجازات التي تحققت؟
فالمشروعات، والاستثمارات، والأنظمة، والبنية التحتية، والتقنيات، والاقتصاد المتنوع، كلها أدوات مهمة، لكنها في النهاية تحتاج إلى الإنسان الذي يديرها، ويطورها، ويبتكر فوقها، ويحولها إلى قيمة مستدامة.
ولهذا أرى أن الاستثمار في الإنسان السعودي سيكون أحد أهم تحديات المرحلة المقبلة.
وقد أكد ما أعلنته المملكة عن المرحلة الثالثة من رؤية 2030 أن الاستثمار في قدرات أبناء وبنات الوطن يظل في صميم المسيرة، مع مواصلة تطوير التعليم والتدريب والمهارات، وتعزيز تنافسية الكفاءات الوطنية.
وهنا تحديدًا أعتقد أن علينا أن نعيد طرح سؤال التعليم، ولكن بصورة مختلفة.
لسنوات طويلة كان نجاح التعليم يُقرأ من خلال أعداد المدارس والطلاب والمعلمين، ونسب الالتحاق، والاختبارات، والشهادات، ثم أضيفت إليها التقنية والمنصات والمناهج الحديثة.
أما المرحلة المقبلة فتحتاج إلى معيار أكثر عمقًا:
هل يستطيع أن يحل مشكلة لم يسبق له أن واجهها؟
هل يستطيع أن يستخدم الذكاء الاصطناعي بوعي، ويتحقق من نتائجه؟
هل يستطيع أن يحول المعرفة إلى فكرة، أو منتج، أو خدمة، أو قيمة اقتصادية؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قدرة تعليمنا على مواكبة المرحلة المقبلة.
لقد نجحنا في بناء كثير من الممكنات، وأصبح لدينا قطاع تعليمي أكثر ارتباطًا بالتقنية، وبرامج وطنية لتنمية القدرات البشرية، وتجارب واسعة في الابتعاث والتدريب والتحول الرقمي، واهتمام متزايد بالموهبة والبحث والابتكار.
لكن بناء الممكنات شيء، وتحويلها إلى قدرات بشرية مستدامة شيء آخر.
وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي.
فالتحدي لم يعد في امتلاك التقنية؛ فالتقنية أصبحت متاحة بدرجات متفاوتة. التحدي الحقيقي هو: من يستطيع أن يحول التقنية إلى قيمة؟
وقد أكد وزير التعليم أن التحدي العالمي لم يعد يتمثل في الوصول إلى التقنية، وإنما في بناء القدرات البشرية والمؤسسية القادرة على تحويل إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مجتمعية حقيقية، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن القدرات البشرية، بل معزز لها ومضاعف لأثرها.
أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة تعريف لمخرجات التعليم.
فلا ينبغي أن يكون المؤشر الرئيس هو عدد الخريجين، وإنما ما يمتلكه هؤلاء الخريجون من قدرات حقيقية.
ولذلك أقترح تطوير ما يمكن أن نسميه «الملف الوطني للقدرات»؛ بحيث يمتلك الطالب ملفًا يتطور معه منذ سنواته الدراسية الأولى، ولا يقتصر على درجاته الأكاديمية، وإنما يرصد مهاراته واهتماماته ومشروعاته وقدرته على حل المشكلات ومواهبه ومهاراته الرقمية وقدرته على التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي وما يحققه من إنجازات داخل المدرسة وخارجها.
فقد لا يكون الطالب الذي يحصل على أعلى الدرجات هو بالضرورة الطالب الذي يمتلك أعلى قدرة على الابتكار أو صناعة القيمة.
ونحن بحاجة إلى نظام تعليمي يرى الإنسان كاملًا، وليس درجته فقط.
وهذا المقترح لا يعني أن نبدأ من الصفر؛ فلدينا بالفعل لدى هيئة تقويم التعليم والتدريب مؤشرات وأدوات لقياس معارف ومهارات الخريجين، واتساق وظائفهم مع تخصصاتهم، وآراء جهات التوظيف، ومواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل.
لكن ما أراه جديرًا بالدراسة هو توسيع هذه الأدوات إلى ملف وطني متكامل للقدرات، يرافق الطالب عبر مراحل التعليم، ويصبح أحد مصادر اتخاذ القرار التعليمي والمهني.
لا يمكن أن نطالب المدرسة بإعداد إنسان للمستقبل، ثم نضع المعلم داخل منظومة لا تمنحه الوقت والمساحة والتمكين الكافي ليكون هو نفسه متعلمًا مستمرًا ومبتكرًا.
ولهذا أرى أن تطوير التعليم يحتاج إلى النظر إلى المعلم باعتباره استثمارًا وطنيًا طويل الأجل، يبدأ من حسن الاختيار، ثم إعداد مهني أكثر ارتباطًا بالممارسة، وتطوير مستمر مبني على الاحتياج الفعلي، وبيئة مدرسية تمنحه مساحة للتجريب والابتكار.
فالتقنية تستطيع أن تقدم محتوى لا نهائيًا، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في الشرح والتحليل والتقويم، لكن الإنسان الذي يقود عملية التعلم ويمنحها معناها سيظل عنصرًا حاسمًا.
هناك سؤال آخر أرى أننا بحاجة إلى الإجابة عنه بصورة أكثر عمقًا:
لدينا اليوم أدوات ومؤشرات وطنية تقيس جوانب من قابلية التوظيف، واتساق التخصص مع الوظيفة، ومعارف ومهارات الخريجين، وآراء جهات التوظيف.
لكن لماذا لا نوسع هذه المنظومة إلى دراسة وطنية طولية للخريجين تمتد لخمس سنوات ثم عشر سنوات؟
نتابع خلالها عينة وطنية من خريجي التعليم العام والجامعات، ونعرف أين ذهبوا، وما الوظائف التي التحقوا بها، ومدى ارتباطها بتخصصاتهم، وما المهارات التي احتاجوا إليها، ومن اتجه إلى ريادة الأعمال، ومن طور نفسه بتخصص جديد، ومن انتقل بين المهن، وما الفجوة بين ما تعلمه وما احتاج إليه في سوق العمل.
هذه الدراسة لا تعني إنشاء منظومة موازية لما هو قائم، وإنما يمكن أن تكون امتدادًا وتكاملًا مع ما لدى هيئة تقويم التعليم والتدريب من أدوات ومؤشرات، ومع البيانات المتاحة لدى الجهات الوطنية ذات العلاقة بسوق العمل.
وبذلك يصبح لدينا، مع مرور السنوات، سجل وطني حقيقي لأثر التعليم وليس فقط لنتائجه.
التحدي القادم ليس فقط توفير وظائف للخريجين، بل إن الوظائف نفسها تتغير بسرعة.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: ما الوظائف التي يحتاجها السوق؟
بل علينا أن نسأل:ما القدرات التي سيحتاجها السوق مهما تغيرت وظائفه؟
فالخريج الذي يمتلك مهارة التعلم المستمر، والتفكير النقدي، والتحليل، والإبداع، والتواصل، والعمل الجماعي، والقدرة على التعامل مع البيانات والذكاء الاصطناعي، سيكون أكثر قدرة على الانتقال بين الوظائف والمهن من خريج اعتمد على ما حفظه ثم توقف عن التعلم.