لم تبدأ فكرة تأسيس جمعية آداب وفنون السرد «نالا» من مجرَّد نزوة أو فكرة عابرة لإنشاء كيان ثقافي جديد يُضاف إلى قائمة الكيانات الموجودة، بقدر ما بدأت من سؤال ظل يراودني مرارًا: لماذا لا يحظى السرد، بتنوعه ومختلف أجناسه وحضوره العميق في واقعنا، بمؤسسة متخصصة تحتضنه، وتجمع مبدعيه، وتعمل على تطويره بوصفه فنًّا ومعرفةً وذاكرةً إنسانية؟
كان اهتمامي الأول منصبًّا على القصة القصيرة؛ ذلك الفن الذي أسهم بفاعلية في تشكيل تاريخ الفن السردي السعودي الحديث، وقدّم أسماء وتجارب رائدة خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم وجد نفسه، في مراحل لاحقة، بعيدًا عن دائرة الضوء التي استحوذت عليها الرواية، خاصة في منتصف التسعينيات.
هكذا خرجتُ من مقهى تشكيل، ذات مساء، حيث نظمت جمعية الأدب المهنية جلسة حوارية لي بعنوان «قصة يوسف»، قررتُ خلالها أن أكتفي في الجلسة بالحديث عن القصة القصيرة، من تجربة الرواد في المملكة إلى تجربتي الشخصية في كتابة القصة القصيرة. بعد هذه الجلسة تحديدًا، عادت فكرة إنشاء جمعية لهذا الجنس الأدبي الذي يعاني من التهميش، لكن النقاشات المبكرة مع العزيزين فالح العنزي وسعود السويداء، وبقية الأصدقاء المؤسسين، كشفت لنا أن القصة القصيرة، على أهميتها، ليست سوى أحد الأبواب الواسعة لعالم السرد. فالسرد لا يتوقف عند الرواية والقصة فحسب، وإنما يمتد إلى المذكرات واليوميات وأدب الرسائل وأدب الرحلة، وصولًا إلى الأشكال الرقمية والبصرية الجديدة.
من هنا اتسعت الفكرة، وانتقلنا من التفكير في كيان يُعنى بالقصة القصيرة إلى جمعية تحتضن آداب السرد وفنونه بمفهومها الأرحب؛ جمعية لا تضع حدودًا ضيقة للحكاية، بل تتلمس تحوّلاتها المهمة، وتقرأ حضورها في الثقافة والمجتمع والفنون والمنصات الحديثة. وهكذا وُلد اسم «نالا»، حاملًا طموحنا إلى تأسيس بيت حقيقي للسرد ومبدعيه.
ليس من السهل أن تنتقل الفكرة الثقافية من حماسة فردية صادقة إلى مؤسسة تمتلك كيانًا قانونيًّا، ومجلس إدارة، ولوائح، ومسؤوليات مالية وإدارية، وحوكمة، بالإضافة إلى هوية بصرية، واستراتيجية، وخطط تنفيذية، وبرامج، ومبادرات، واستقطاب كفاءات، وغير ذلك. فالكتابة بطبيعتها فعل فردي حر، بينما تقوم المؤسسة على العمل الجماعي، وتنظيم الصلاحيات، وتوزيع المسؤوليات، والالتزام بالأنظمة والمعايير.
كان هذا الانتقال، من شغف فردي إلى عمل مؤسسي، واحدًا من أول التحديات التي واجهتنا. كان علينا أن نحافظ على حرارة الفكرة وروحها الإبداعية، وفي الوقت نفسه أن نبني لها إطارًا مؤسسيًّا يحميها ويضمن استمرارها. فالحماسة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة مؤسسة مستدامة، والرؤية الجميلة تحتاج إلى إدارة واعية متزنة، وموارد، وشراكات، وخطط قابلة للتنفيذ والقياس.
لم نكن نريد جمعية تبدأ بالضجيج وحفلات الإطلاق ثم يخفت حضورها، ولا مشروعًا يكتفي بالفعاليات العابرة والصور الإعلامية. كنا نطمح إلى تأسيس كيان ينمو بهدوء وثقة، ويعرف ما الذي يريد أن يضيفه إلى المشهد الثقافي، وما المساحات التي يمكن أن يشغلها دون أن يكرر ما تقوم به المؤسسات والجهات الأخرى.
ولهذا استغرق بناء الرؤية كثيرًا من الحوار والتفكير. ناقشنا مفهوم السرد، وحدود عمل الجمعية، والفئات التي تتوجه إليها، وطبيعة البرامج التي ينبغي أن تقدمها، والعلاقة التي نريد أن نبنيها مع الكتّاب والنقاد والباحثين والجامعات والجهات الثقافية. وكان السؤال الذي لا يخبو أبدًا: ما القيمة الحقيقية التي ستضيفها «نالا»؟
واجهتنا، كما تواجه أي تجربة ثقافية ناشئة، تحديات متعددة. كان أولها تحويل الطموحات الواسعة إلى أولويات واضحة. ففي البدايات تتزاحم الأفكار: ملتقيات، وورش، وبرامج تدريبية، وإصدارات، وترجمات، وإقامات أدبية، ومنصات رقمية، وشراكات محلية وعربية. غير أن المؤسسة لا تستطيع أن تفعل كل شيء دفعة واحدة؛ لذلك كان علينا أن نرتب أولوياتنا، وأن نوازن بين ما نحلم به وما تسمح به الإمكانات في كل مرحلة، وتحديدًا الإمكانات المالية.
أما التحدي الثاني فكان بناء فريق شاب حيوي يؤمن بالفكرة، ولا يتعامل معها بوصفها مهمة إدارية مؤقتة. وقد كنت محظوظًا بفريق يمتلك روحًا هائلة وشغفًا لا ينطفئ؛ فريق آمن بأن نجاح الجمعية لا يصنعه شخص واحد، مهما كان موقعه، بل تصنعه مجموعة من المخلصين الذين يتقاسمون الرؤية والمسؤولية. وقد كان العمل بروح الفريق من أهم أسباب انتقال الجمعية من مجرد فكرة إلى واقع ثقافي حيّ.
ومن التحديات أيضًا محدودية الموارد في المراحل الأولى. فالعمل الثقافي يحتاج، إلى جانب الأفكار، إلى تمويل مستدام، ومقر، وكفاءات إدارية، وأدوات تقنية، وقدرة على التواصل والتسويق وإدارة الفعاليات. وكان لزامًا علينا أن نبحث عن شركاء يؤمنون بالمشروع وقيمته، وأن نبني علاقات تقوم على التكامل لا على الدعم العابر؛ لأننا ندرك أن الثقافة مسؤولية مشتركة، وأن المؤسسات الناجحة هي التي تستطيع توسيع دائرة الداعمين لرسالتها. وفيما يخص الكفاءات، عمل معنا شباب يؤمنون بالعمل التطوعي، ثم بدأنا بموظف واحد ومقر صغير للجمعية لا تتجاوز مساحته 22 مترًا مربعًا.
وواجهتنا أيضًا مهمة بناء الثقة، خاصة مع بعض الأدباء الذين يشعرون بالإحباط والتردد والشكوك تجاه أي مشروع ثقافي، لتبدأ أسئلة متوقعة من قبيل: ماذا سيقدم؟ وما الذي يميزه؟ وهل سيستمر؟ وهل سيكون مفتوحًا أمام مختلف الأصوات والأجيال والمناطق؟ لم يكن الرد على هذه الأسئلة ممكنًا بالشعارات، بل بالعمل نفسه. لذلك سعينا منذ البداية إلى أن تكون برامج الجمعية جادة، وأن يحضر فيها التنوع، وأن تفتح أبوابها للمبدعين والباحثين، وللأسماء الراسخة والأصوات الجديدة على السواء.
وكان من أكثر التحديات حساسيةً تحقيق التوازن بين الإدارة والثقافة؛ إذ لا ينبغي للأنظمة والإجراءات أن تطفئ روح الإبداع، كما لا يجوز للحماسة الثقافية أن تتجاوز متطلبات الحوكمة والانضباط. وقد تعلمنا أن الإدارة الثقافية ليست قيدًا على الإبداع، بل وسيلة لحمايته وضمان وصوله واستمراره، حين تُمارس بمرونة ووعي وروح جماعية.
حين أكملت «نالا» رسم هويتها البصرية، التي استُلهمت ألوانها من هوية وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وأسست موقعها الإلكتروني وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت الجمعية أنشطتها. وكنا ندرك أننا لم نصل بعد إلى نهاية رحلة التأسيس، بل كان لدينا يقين بأننا نقف عند بدايتها الحقيقية. فمجرد الحصول على الصفة النظامية، وتشكيل مجلس الإدارة، وإطلاق البرامج الأولى، وإطلاق الهوية والحسابات، ليست إلا خطوات تمهيدية. والاختبار الفعلي لأي جمعية ثقافية هو قدرتها على الاستمرار، وتطوير أدواتها، ومراجعة تجربتها، والاستماع إلى صوت مجتمعها من المبدعين والقرَّاء، وتحويل رؤيتها إلى أثر ملموس في المجتمع.