من جدل القيادة إلى فلسفة التكامل: ماذا تخبرنا المدارس المتكاملة عن مستقبل التعليم السعودي؟ – د. ياسين علي محمد عزي

لم يكن أكثر ما استوقفني في وثيقة «المدارس المتكاملة» عدد المدارس التي ستضمها كل مجموعة، ولا الشكل الذي ستنتظم من خلاله العلاقة بينها، بل الفكرة التي تسكن الوثيقة من أولها إلى آخرها: أن المدرسة لا ينبغي أن تبقى آخر محطة يصل إليها التحسين، بل يمكن أن تكون أحد المنابع التي يبدأ منها؛ وأن الخبرة التي تنضج في فصل دراسي أو مكتب قائد مدرسة، ثم تبقى داخل أسوارها، تفقد المنظومة جانبًا كبيرًا من قيمتها.

فنحن لا نقف أمام برنامج عابر يُضاف إلى برامج المدرسة، ولا أمام تعديل إداري يبدّل خطوط الارتباط وحدها، بل أمام تصور يعيد النظر في الكيفية التي تتعلم بها المنظومة التعليمية من داخلها؛ مدرسة لا تنتظر الحل دائمًا من خارجها، وإنما تشارك في إنتاجه، وخبرة لا تبقى مرتبطة بمعلم متميز أو قائد ناجح، وإنما تتحول إلى معرفة مؤسسية تنتقل بين المدارس، ونجاح لا يُحتفى به بوصفه حالة محلية منفردة، بل يُستثمر حتى يصبح فرصة لتحسين تعلم طلبة آخرين في مدارس أخرى.

وقد جاءت هذه الوثيقة في وقت دار فيه نقاش واسع بعد نشر مقال في عكاظ بعنوان «اختطف الأكاديميون التعليم العام»، وهو عنوان أعاد إلى السطح سؤالًا قديمًا: من يقود التعليم؟ الأكاديمي أم المعلم؟ الباحث أم الممارس؟ الجامعة أم المدرسة؟ وليس المقصود هنا الدخول في سجال مع الكاتب أو الانتصار لفئة في مواجهة أخرى؛ فالمقال أثار قضية تستحق قراءة مستفيضة، غير أن وثيقة «المدارس المتكاملة» توحي بأن السؤال نفسه ربما يحتاج إلى إعادة صياغة. فبدل الانشغال بمن ينبغي أن يتقدم ومن ينبغي أن يتراجع، يصبح الأجدى أن نسأل: كيف تتكامل مصادر المعرفة والخبرة داخل التعليم حتى تعمل جميعها من أجل الطالب؟

أولا إن وصف «الأكاديميين» لا يدل على فئة واحدة متجانسة حتى تُحمّل نتائج مسار تعليمي كامل. فليس كل حامل للدكتوراه تربويًا، وليس كل أستاذ جامعة صانعًا للسياسة التعليمية، وليس كل من انتقل إلى موقع إداري ممثلًا للبحث التربوي أو لكليات التربية. كما أن التربويين أنفسهم يتوزعون بين تخصصات المناهج وطرائق التدريس والقياس والتقويم والقيادة وعلم النفس والتعليم الخاص وغيرها. لذلك فإن جمع هذه المسارات كلها تحت وصف واحد، ثم إصدار حكم عام عليها، قد يجعل العنوان أكثر إثارة، لكنه لا يجعل تفسير الظاهرة أكثر دقة.

في المقابل، لا ينبغي أن يدفعنا الإنصاف للميدان إلى القول إن الخبرة اليومية تغني وحدها عن البحث، أو إن سنوات العمل داخل المدرسة تجعل صاحبها مستغنيًا عن المعرفة العلمية. فالخبرة قد ترى تفاصيل لا تراها الدراسات، لكنها قد تبقى فردية ما لم تُحلل وتُوثق وتُختبر. أما البحث فقد يكشف أنماطًا لا ينتبه إليها الممارس المنشغل بتفاصيل يومه، لكنه يفقد روحه إذا بقي بعيدًا عن الفصل والمدرسة والطالب. وبين الخبرة التي تعيش الظاهرة والمعرفة التي تفسرها، تولد القرارات الأقدر على فهم التعليم وتطويره.

من عاش التعليم من الداخل، سواء في المدرسة أم الجامعة، يدرك أن الفصل الدراسي لا يشبه ما تراه الجداول والمؤشرات. هناك لا يظهر الطالب رقمًا في كشف درجات، ولا نسبة في اختبار معياري، ولا لونًا في لوحة أداء، بل إنسانًا كاملًا يحمل معه كل صباح خوفه وفضوله وموهبته وتردده وظرفه الأسري وصورته عن ذاته. هناك أيضًا يدرك المعلم أن بعض أعظم لحظات التعليم لا تقع أثناء شرح الدرس، بل حين يرفع طالب يده للمرة الأولى بعد صمت طويل، أو يكتشف آخر أنه قادر على النجاح بعد سنوات من الشك، أو يقرر شاب كان قريبًا من الانسحاب أن يمنح مستقبله فرصة أخرى؛ لأن أحدًا في المدرسة رآه وآمن به قبل أن يرى هو إمكاناته.

لهذا ظلت المدرسة أكبر من أن تُختزل في مبنى ومنهج وجدول حصص؛ فهي المكان الذي تتشكل فيه علاقة الإنسان بنفسه وبالمعرفة وبالمجتمع والوطن. وما يتعلمه الطالب عن ذاته داخل الفصل قد يبقى معه أطول مما يتذكره من المعلومات التي حفظها جيدًا استعدادًا لاختبار مقرر دراسي. قد ينسى بعد مدة معلومة، مهما بدت مهمة في وقتها، لكنه لن ينسى معلمًا أشعره بأنه قادر، ولا موقفًا رد إليه كرامته، ولا مدرسة فتحت له نافذة نحو حياة أرحب.

ومن هنا لا أرى التعليم العام والتعليم الجامعي عالمين منفصلين، بل طريقًا واحدًا تتغير مراحله ولا يتغير جوهره. فالطفل الذي يتعلم في المدرسة كيف يصغي ويسأل هو نفسه الشاب الذي سيقف لاحقًا في قاعة الجامعة، والطالب الذي يكتشف قدرته على التفكير هو نفسه الخريج الذي سيُطلب منه أن يبتكر ويعمل ويتحمل مسؤولية معرفته في المجتمع. وما يُبنى في البدايات يمتد أثره إلى النهايات، وما يُهمل في المدرسة يظهر لاحقًا في الجامعة وسوق العمل والحياة العامة.

ولهذا تكشف مهنة التعليم، على نحو خاص، حدود كل يقين نظري؛ فما يبدو واضحًا في الكتب قد يتغير أمام ثلاثين طالبًا في حصة أو محاضرة واحدة، وما ينجح في دراسة أُجريت داخل سياق اجتماعي معين قد يحتاج إلى إعادة نظر حين ينتقل إلى سياق آخر، وما ينجح في مدرسة قد يتطلب تعديلًا قبل أن يصلح لمدرسة أخرى. ليست هذه دعوة إلى الارتياب في العلم، بل إلى فهم طبيعته في التربية؛ فالمعرفة التعليمية لا تكتمل في الورق، كما لا تكتمل في التجربة الفردية، وإنما تنضج حين يتحاور البحث مع الممارسة، وحين يعود كل منهما إلى الآخر ليصحح فهمه ويوسع أثره.

وهنا تتجلى قيمة نموذج «المدارس المتكاملة». فالوثيقة لا تقترح دمج المدارس، ولا إلغاء استقلالها أو صلاحيات مديريها، ولا تستحدث مستوى تنظيميًا جديدًا يعزل المدرسة عن إدارتها، وإنما تعيد تنظيم العلاقة المهنية بين مدارس متقاربة أو مترابطة في مسار تعلم الطلبة؛ لتعمل ضمن مجموعة تتشارك الخبرات، وتحلل البيانات، وتبني القدرات، وتوجّه الدعم بحسب الاحتياج الفعلي. كما تجعل القيادة المهنية قريبة من الميدان، وتربط التحسين بالممارسة المستمرة، وتضع تعلم الطلبة والمسؤولية المشتركة في مركز النموذج.

وتكشف الوثيقة عن فهم مختلف للمدرسة؛ فهي لا تنظر إليها بوصفها جهة تنتظر التعليمات، بل باعتبارها بيئة مهنية قادرة على أن تتعلم من خبرتها، وأن تستفيد من المدارس الأخرى، وأن تطور عملها في ضوء احتياجات طلابها. ولهذا تحافظ على استقلال المدرسة، وتربط القيادة بالتمكين، والدعم بالحاجة الفعلية، والقرار بالبيانات، والتحسين بالمسؤولية المشتركة.

وما يبدو في ظاهره لغة تنظيمية يحمل في جوهره تحولًا تربويًا مهمًا: أن المدرسة لا تُدار فقط، بل تتعلم؛ ولا تنفذ فقط، بل تسهم في إنتاج المعرفة التي تطور بها نفسها وتدعم بها غيرها.

ولعل العبارة الأكثر دلالة في فلسفة النموذج هي أن المدرسة القوية لا يُقاس نجاحها بنتائجها وحدها، بل بقدرتها على دعم مدرسة أخرى والإسهام في رفع مستوى المجموعة. هنا يتغير معنى التميز المدرسي؛ فلا يعود نجاحًا تحتفظ به مؤسسة داخل حدودها، بل خبرة ينبغي أن تنتقل، وممارسة ينبغي أن تُفهم، وقيمة ينبغي أن تتسع. فالمدرسة التي وجدت أسلوبًا فاعلًا في معالجة ضعف القراءة، أو رفعت انضباط طلابها، أو حسّنت بيئة التعلم، أو بنت نموذجًا ناجحًا لمتابعة المتعثرين والموهوبين، تحمل معرفة لا ينبغي أن تبدأ مدارس أخرى رحلة اكتشافها من الصفر.