من جدة إلى المجد.. الأخضر بطل الخليج

هناك بطولات تحسم في الملعب، وأخرى تتجاوز نتيجتها حدود كرة القدم، لتصبح رسالة كاملة لها الكثير من المعاني، وكأس الخليج التي رفعها المنتخب السعودي في جدة تنتمي إلى النوع الثاني؛ لأنها لم تكن مجرد عودة إلى منصة التتويج، وإنما عودة تحمل كثيرًا من الدلالات. في ليلة خضراء، حسم الأخضر المباراة النهائية أمام المنتخب الإماراتي بهدفين دون مقابل، ليحقق كأس الخليج للمرة الرابعة في تاريخه، ويضع حدًا لانتظار امتد أكثر من عقدين، لكن الأهم من الكأس نفسها أن المنتخب خاض البطولة بصورة مختلفة؛ حضور قوي، انضباط، شخصية واضحة، وقدرة على التعامل مع المباريات حتى لحظاتها الأخيرة. منذ بداية المشوار، بدا أن منتخبنا يعرف ماذا يريد، ثلاثة انتصارات متتالية في دور المجموعات، ثم تجاوز المنتخب القطري بركلات الترجيح في نصف النهائي، قبل أن يأتي النهائي ليؤكد أن المشوار لم يكن مصادفة، والأجمل أن الأخضر أنهى البطولة دون خسارة، ودون أن تهتز شباكه بأي هدف، وهي أرقام تقول الكثير عن حالة الانضباط والتوازن التي ظهر بها المنتخب. وفي النهائي تحديدًا، كان الحسم مبكرًا، هدفان خلال دقائق قليلة منحا المنتخب أفضلية كبيرة، قبل أن يفرض حضوره ويعرف كيف يدير المباراة ويحافظ على تقدمه حتى صافرة النهاية، لم يكن الانتصار قائمًا على الاندفاع وحده، بل على الهدوء والقراءة الجيدة للمباراة والثقة بالقدرة على الوصول إلى الهدف. ولعل أجمل ما في هذا التتويج أنه جاء في جدة؛ المدينة التي تعرف كيف تستقبل البطولات، وكيف تحول المدرجات إلى جزء من المشهد، فقد قدمت ـ كعادتها ـ نموذجًا مميزًا في الاستضافة والتنظيم، واحتضنت المنتخبات والجماهير والفعاليات بروح مدينة اعتادت أن تكون في الموعد عندما يتعلق الأمر بالمناسبات الرياضية الكبرى. كانت البطولة في جدة أكثر من كونها تجمع خليجي لمباريات كرة القدم؛ كانت مشهدًا رياضيًا واجتماعيًا وحضورًا جماهيريًا يعكس الشغف الكبير بالرياضة في المملكة، وحين اجتمع التنظيم المحترف مع الحضور الجماهيري والحماس داخل الملعب، اكتملت صورة بطولة تليق بالمملكة وبمكانتها الرياضية المتنامية. عادت كأس الخليج إلى السعودية، لكن الأهم أن الأخضر كسب معها شيئًا أبعد من اللقب، الثقة والتفات الجماهير، وهذا أكثر ما نحتاجه في الوقت الحالي، بل أفضل ما يبحث عنه أي منتخب وهو يستعد للاستحقاقات الأكبر. اليوم، يحق للجماهير السعودية أن تفرح بالكأس، وأن تستمتع بما قدمه منتخبها، لكن الأجمل أن يكون هذا التتويج بداية، لا نهاية؛ وأن تتحول ليلة جدة الخضراء إلى خطوة جديدة في طريق منتخب يعرف أن القادم أكبر، وأن سقف الطموح لا يتوقف عند كأس الخليج. خالص التهاني لقيادتنا الرشيدة، ووطننا العظيم، والمنتخب الأخضر العائد بقوة، ولجمهورنا الوفي الذي كان اللاعب رقم واحد في هذه الملحمة، وسلامٌ على جدة التي ازدادت حُسناً بابتسامة الذهب على شواطئها. *المستشار الاقتصادي والقانوني هاني محمد الجفري