لسنوات طويلة ظل السؤال الأكثر حضورًا في منظومتنا التعليمية والاقتصادية هو: أين سيتوظف أبناؤنا بعد التخرج؟
نسأل عن التخصص المطلوب في سوق العمل، ونبحث عن الوظائف الشاغرة، ونقيس نسب التوظيف، ونحاول مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات أصحاب العمل. وكل ذلك مهم بلا شك.
لكنني أعتقد أننا نحتاج اليوم إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، وربما أصبح أكثر إلحاحًا:
لماذا نُعد أبناءنا في الغالب للحصول على وظيفة، ولا نُعدهم بالقدر نفسه لامتلاك حصة في السوق وصناعة الفرصة؟
هذا السؤال لم يأتِ من فراغ فمنذ أن بدأت أكتب عن مستقبل الشهادة الجامعية، كنت أتساءل: هل ما زالت الشهادة الورقية وحدها قادرة على أن تكون الدليل الأهم على كفاءة الإنسان، في عالم تتغير فيه المهارات بسرعة، وتتغير معه طبيعة الوظائف نفسها؟
واليوم أجد أن السؤال يتجاوز الشهادة والوظيفة معًا، فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى خريج يبحث عن وظيفة، بل يحتاج كذلك إلى شاب يستطيع أن يصنع منتجًا، ويؤسس مشروعًا، ويدير متجرًا، ويفهم السوق، ويبيع، ويتفاوض، ويبتكر، ثم يوظف غيره.
من أبسط الأمثلة التي تكشف هذه الفجوة ما حدث مع ابني حين ذهب إلى حراج الكمبيوتر لشراء مكونات جهاز حاسب بمواصفات خاصة.
كان يتوقع أن يدخل سوقًا متخصصًا، يقارن فيه بين المنتجات والأسعار، ثم يختار ما يناسبه، لكن أول ما لفت انتباهه، بحسب ما نقل لي، أن معظم العاملين في السوق من غير السعوديين، وأن الشباب السعودي يكاد يغيب عن سوق يُفترض أنه من أقرب الأسواق إلى اهتماماتهم وشغفهم بالتقنية.
ولفته أيضًا أمر آخر لا علاقة له بجنسية أحد، وإنما بطبيعة السوق نفسه، فالأسعار ليست واضحة أو موحدة دائمًا، وتجربة الشراء تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المشتري على التفاوض، وحين أراد استخدام إحدى خدمات التقسيط المتاحة لدى شركات الدفع، أُبلغ بأن عليه أن يتحمل العمولة التي تحصل عليها الشركة، وانتهى النقاش دون إتمام عملية الشراء.
قد يقرأ بعضهم هذه الواقعة باعتبارها خلافًا عابرًا بين بائع ومستهلك، أما أنا فقرأت فيها سؤالين: الأول عن الشفافية في بعض أسواقنا، والثاني سؤال اقتصادي وتعليمي أكبر:
سوق الكمبيوتر ليس نشاطًا هامشيًا يمكن تجاهله، فبحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، بلغت واردات المملكة من سلع تقنية المعلومات والاتصالات نحو 67.9 مليار ريال في عام 2024، منها نحو 14.9 مليار ريال لأجهزة الحاسب ومعداتها الطرفية، كما بلغت صادرات وإعادة تصدير سلع تقنية المعلومات والاتصالات نحو 25.8 مليار ريال في العام نفسه.
وهذه الأرقام تمثل قيمة التجارة الخارجية لهذه السلع، وليست القيمة الكاملة التي يولدها السوق المحلي، فحول كل جهاز يصل إلى المستهلك سلسلة كاملة من الأنشطة والقيمة، تبدأ بالاستيراد والتوزيع، ثم تمر بالبيع والتجميع والتركيب والصيانة وخدمة العملاء، وتمتد إلى التجارة الإلكترونية وإدارة المخزون والتسويق.
ومن الذي يبدأ ببيع قطعة، ثم جهاز، ثم متجر، ثم شركة؟
فالخبرة التجارية لا تأتي من كتاب جامعي وحده إنها تأتي من الممارسة.
لسنا بحاجة إلى البحث بعيدًا عن التجارب، فقد شهدنا خلال السنوات الماضية تحولًا واضحًا في أسواق ومهن كانت مشاركة السعوديين فيها محدودة، ثم أصبحت الواجهة فيها سعودية بدرجة كبيرة، ومن أبرز الأمثلة سوق الذهب وسوق الجوالات.
وفي سوق الجوالات تحديدًا، صدر قرار وزاري بقصر العمل في بيع وصيانة أجهزة الجوالات وملحقاتها على السعوديين والسعوديات، وصولًا إلى نسبة توطين 100 %.
وفي سوق الذهب، أصبح حضور المواطن في المحال والتعامل المباشر مع العملاء أكثر وضوحًا، وأصبح وجود البائع أو صاحب النشاط السعودي مشهدًا مألوفًا.
لكن التجربة نفسها تطرح سؤالًا مهمًا: هل سعودة الواجهة تعني بالضرورة سعودة السوق؟
فتوطين نقطة البيع لا يعني بالضرورة أن جميع حلقات سلسلة القيمة أصبحت وطنية؛ فهناك فرق بين توطين البيع، وتوطين المعرفة والملكية والتوريد والتوزيع والقدرة على اتخاذ القرار والتوسع.
كما أن نجاح التوطين يتطلب أن تكون الملكية والإدارة الفعلية للنشاط نظامية وحقيقية، وألا تتحول الواجهة الوطنية إلى غطاء لممارسة غير نظامية، وهذا ما تؤكد أهميته الجهود الرقابية المستمرة لمكافحة التستر التجاري؛ فقد نفذت الجهات المختصة أكثر من 35 ألف زيارة تفتيشية خلال عام 2025، وأحالت مخالفات إلى الجهات المختصة للتحقق وتطبيق العقوبات النظامية.
ولذلك لا ينبغي أن يُقاس نجاح التوطين فقط بمن يقف خلف الكاونتر، بل يجب أن نقيسه كذلك بمن يمتلك النشاط فعلًا، ويفهم السوق، ويدير سلسلة القيمة، ويبني الخبرة، ويتخذ القرار، ويوسع المشروع.
التوطين الحقيقي لا يعني فقط أن نستبدل اسمًا باسم، أو موظفًا بموظف.
التوطين الحقيقي هو أن تنتقل إلى المواطن الوظيفة، والخبرة، والملكية، والمعرفة بالسوق، وشبكة العلاقات التجارية، والقدرة على اتخاذ القرار، والعائد الاقتصادي.
وهنا يكمن الفرق بين توطين الوظيفة وتوطين القيمة.
فإذا كانت تجربة الذهب والجوالات قد أظهرت أن دخول المواطن إلى الأسواق ممكن عندما تتوافر البيئة التنظيمية المناسبة، فلماذا لا نستفيد من الدروس نفسها في أسواق أخرى؟
ولماذا لا يكون حراج الكمبيوتر أحد هذه الأسواق؟
لماذا لا نرى فيه شبابًا سعوديين يتعلمون بيع المكونات، وتجميع الأجهزة، والصيانة، والتسويق، والتجارة الإلكترونية، ثم يتحول بعضهم بعد سنوات إلى موزعين وشركات تقنية ومؤسسات توريد وحلول رقمية؟
إن الهدف ليس أن يصبح المواطن بائعًا إلى الأبد، وإنما أن تكون نقطة البيع مدخلًا إلى المعرفة والملكية والتوسع.
المشكلة ليست في العامل.. وإنما في غياب المواطن عن الملكية.
لا ينبغي أن تتحول القضية إلى مواجهة بين السعودي وغير السعودي.
فالعاملون من مختلف الجنسيات أسهموا في بناء قطاعات عديدة من الاقتصاد السعودي، وما زال لهم دور في مجالات كثيرة.
لكن القضية التي تستحق النقاش هي: هل من الطبيعي أن تبقى بعض الأنشطة التجارية التي يستطيع المواطن تعلمها وممارستها وتطويرها بعيدة نسبيًا عن مشاركة أبناء الوطن في ملكيتها ونموها؟
إذا كان الشاب يستطيع أن يتعلم خلال سنوات العمل تفاصيل المعالجات والذواكر وبطاقات الرسوميات واللوحات الأم ومصادر الطاقة والتخزين والتجميع والصيانة، فلماذا لا نراه يدخل هذه السوق؟
والإنصاف يقتضي أن نعترف بأن للعزوف أسبابًا حقيقية. فهوامش الربح في بيع المكونات قد تكون ضيقة، والمنافسة مع المتاجر الإلكترونية الكبرى شديدة، ورأس المال اللازم للمخزون ليس قليلًا، والسوق التي لا تتضح فيها الأسعار والرسوم قد تنفّر القادم الجديد.
وهذه كلها عقبات يمكن التعامل معها بالتدريب والتمويل والتنظيم والشفافية، لكنها لن تختفي بقرار توطين وحده.
ربما نحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح المهني لدى أبنائنا.
فليس كل نجاح يبدأ من مكتب حكومي أو شركة كبرى.
قد يبدأ النجاح من محل صغير، أو منصة إلكترونية، أو ورشة صيانة، أو متجر متخصص، أو مشروع منزلي، أو فكرة تقنية، ثم يكبر المشروع مع صاحبه.
وهنا تتحول الخبرة من مجرد وسيلة للحصول على راتب إلى رأس مال معرفي وتجاري.
وهذا ما يجب أن تنتبه إليه منظومتنا التعليمية والتدريبية.