.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
الحرب أظهرت أن المضائق وخطوط الأنابيب والموانئ والغاز الطبيعي المسال أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن القومي نفسه، وأوراقاً جيوسياسية في معركة إعادة توزيع القوة في المنطقة.
لم تغيّر الحرب ميزان القوة فحسب، بل غيّرت تعريف الأمن نفسه في الخليج والشرق الأوسط. فلا العودة إلى الاعتماد شبه الحصري على المظلة الأميركية تبدو كافية، ولا سياسة احتواء إيران بكلفتها العالية، تبدو خياراً قابلاً للاستمرار. وفي المقابل، أظهرت تجربتا هرمز وباب المندب أن أمن الطاقة العالمي لا يمكن أن يبقى رهينة مضيق أو مضيقين، أو رهينة قرار سياسي أو عسكري تتخذه قوة إقليمية.
لذلك، إذا انتهت الحرب بتسوية، فلن تكون المنطقة أمام عودة بسيطة إلى ما قبل الحرب، بل أمام محاولة لبناء نظام أمني أكثر تعددية. ستبقى الولايات المتحدة القوة الخارجية الرئيسية، لكن أوروبا، المتضررة مباشرة من اضطراب أسواق الطاقة، ستجد نفسها أكثر انخراطاً في أمن الممرات والطاقة. وستعمل دول الخليج على تنويع ضماناتها وشراكاتها، بالتوازي مع محاولة التعامل مع المخاطر الإيرانية من خلال مقاربة جديدة مبنية على قواعد ومصالح متبادلة، دون التراجع عن تطوير قدرة الردع الخليجية. فما هي عناصر هذا النظام الذي بدأت ملامحه تظهر؟
النظام الذي استقر لعقود قام على معادلة واضحة: مظلة عسكرية أميركية تحمي دول الخليج وممرات الطاقة، وتحالفات ثنائية بين واشنطن والعواصم الخليجية، وسياسة أميركية تهدف إلى احتواء إيران وردعها.
لكن الحرب أظهرت أن التفوق العسكري الأميركي لم يمنع إيران وحلفاءها من رفع كلفة الطاقة والملاحة وتهديد أمن دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن تردد واشنطن في الانخراط المباشر ضد الحوثيين أعاد فتح النقاش حول مدى كفاية الاعتماد على الضمانة الأميركية وحدها.
المشكلة، إذاً، ليست في غياب القوة الأميركية، بل في أن القوة الأميركية، على أهميتها، لم تعد وحدها كافية لصناعة الاستقرار الإقليمي، وتأمين تدفق النفط والغاز.
دول الخليج التي عانت من سياسات النظام الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية، ولا سيما تبنّيه مفهوم تصدير الثورة وبناء شبكات نفوذ داخل عدد من الدول العربية، وجدت نفسها خلال هذه الحرب أمام اختبار جديد لعلاقتها بطهران. فقد أظهر استهداف دول خليجية أن الخلاف مع إيران لا يتعلق فقط بملفات النفوذ أو البرنامج النووي، بل بسياسة طهران في تهديد أمن دول الخليج واستقرارها وضرب النموذج التنموي الذي تشهده .
لذلك، فإن طرح الحوار مع إيران لا يعني الثقة بها أو تجاهل الخلافات معها، بل قد يشكل انتقالاً إلى مفهوم مختلف لإدارة المخاطر والتحديات التي تمثلها. فإذا كانت إيران حقيقة جغرافية وعسكرية لا يمكن إلغاؤها، وإذا كان النظام الإيراني الحالي باقياً، تصبح المسألة: كيف يمكن تغيير حساباته من خلال إدخاله في شبكة من المصالح والضمانات والكلفة المتبادلة؟
من هنا كانت الأفكار التي ظهرت في نيويورك: إطار أمني إقليمي تطرحه قطر، وحوار عربي–إيراني تدعو إليه الإمارات، وفكرة سعودية لمعاهدة عدم اعتداء.
لكن نجاح هذه المقاربة يتوقف أيضاً على طهران: هل تنظر إلى الاندماج في نظام إقليمي جديد بديلاً من شبكة النفوذ التي بنتها بواسطة حلفائها وأذرعها؟ وهل تستطيع الانتقال من منطق إدارة النفوذ عبر القوى غير الحكومية إلى منطق العلاقات بين الدول؟
لا يبدو أن السعودية أو دول الخليج تتجه إلى استبدال الولايات المتحدة بالصين أو فرنسا أو تركيا. الصورة التي تتشكل أكثر تعقيداً: استمرار التحالف الأميركي مع توسيع شبكة الشراكات الدفاعية.
فرنسا أعلنت إرسال قوات ورادارات ودفاعات جوية لحماية ينبع، فيما عمّقت السعودية تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان. وقد نكون، بذلك، أمام انتقال تدريجي من مفهوم المظلة الواحدة إلى شبكة من المظلات والضمانات.
تنويع الضمانات، بهذا المعنى، لا يعني فك الارتباط بواشنطن، بل تقليل الاعتماد الحصري عليها ورفع قدرة دول الخليج على المناورة وحماية مصالحها.
قبل الحرب، كان أمن الخليج يُقرأ غالباً من خلال القواعد العسكرية والصواريخ والبرنامج النووي الإيراني. لكن الحرب أظهرت أن المضائق وخطوط الأنابيب والموانئ والغاز الطبيعي المسال أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن القومي نفسه، وأوراقاً جيوسياسية في معركة إعادة توزيع القوة في المنطقة.
صورة ضخمة لمجتبى خامنئي وأمامه صواريخ في ذروة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. (أ ف ب)
فأزمة هرمز أثرت في صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال ، فيما أدى الضغط الحوثي على البحر الأحمر واستهداف خط شرق–غرب السعودي إلى رفع المخاطر على الطرق البديلة. لكن المخاطر هذه لم تمنع الولايات المتحدة من طرح صندوق أولي بقيمة عشرة مليارات دولار لمشاريع طاقة تقلل الاعتماد على هرمز، وقد تصل قيمة هذا الصندوق إلى خمسين مليار دولار.
وهكذا، لن يُقاس أمن المنطقة بعد الحرب فقط بمن يملك الصواريخ والطائرات، بل أيضاً بمن يملك القدرة على إبقاء الموانئ والمضائق وخطوط الطاقة مفتوحة.
لم تعد فرنسا تتحدث فقط عن الوساطة وإعادة فتح هرمز. فإرسال دفاعات إلى ينبع يشير إلى أن حماية تدفقات الطاقة باتت قضية عالمية ومرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الأوروبي.
وقد يكون ذلك بداية تحول أوسع: أوروبا تكتشف أن أمن الخليج ليس قضية بعيدة عن أمنها، بل جزء من أمن الطاقة الأوروبي نفسه. وهذا قد يقود إلى توزيع جديد للأدوار: الولايات المتحدة توفر الجزء الأكبر من الردع الاستراتيجي، والأوروبيون يوسعون مساهمتهم في أمن الملاحة والدفاع الجوي وحماية تدفقات الطاقة، فيما تتحمل القوى الإقليمية جزءاً أكبر من مسؤولية أمنها. إننا امام تحديات كبيرة في اقتسام أعباء المهام الأمنية المعقدة لتأمين تدفق النفط والغاز الى الاسواق العالمية بشكل عام والأوروبية بشكل خاص.
النظام الإقليمي الجديد، إذا ظهر على الصورة التي تفكر بها الدول الخليجية لا يعني بالضرورة تنازلاً لإيران. فإدخال طهران في شبكة إقليمية من المصالح والضمانات يعني أيضاً إخضاع العلاقة معها لقواعد أكثر وضوحاً.
فمعاهدة عدم اعتداء، مثلاً، لا تكون ذات معنى إذا اقتصرت على امتناع إيران عن مهاجمة السعودية مباشرة. ماذا عن الحوثيين؟ والجماعات المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري؟ وحرية الملاحة؟ والصواريخ والمسيّرات؟ والتدخل في الدول العربية؟
المعادلة المقترحة، إذاً، هي الانتقال من الردع العسكري وحده إلى الردع بالقواعد والمصالح المتبادلة. تستطيع إيران أن تحقق مكاسب من اندماجها في النظام الإقليمي، ولكن ذلك يفترض في المقابل قبولها بقيود تمنع استخدام الميليشيات وتوظيف الممرات البحرية وسيلةً للضغط.
هنا تظهر المعضلة الأكبر. فقد يكون ممكناً بناء تفاهمات خليجية–إيرانية تقوم على عدم الاعتداء، وحماية الملاحة، وتحييد منشآت الطاقة، واحترام سيادة الدول. لكن تحويل هذه التفاهمات إلى نظام إقليمي شامل يصبح أكثر صعوبة ما دامت المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية مفتوحة، وما دامت إسرائيل على موقفها في رفض إطلاق مسار الدولة الفلسطينية.