من تثبيت الدولة إلى صناعة المستقبل

اتساع الدور مع اتساع الدولة تستعيد المملكة تاريخها لا لتغلق صفحاته لا تأتي ذكرى اليوم الوطني للمملكة ، كل عام لتعيد رواية يعرفها المواطنون عن ظهر قلب، وإنما لتفتح من جديد سؤال الدولة ومسيرتها: كيف تحولت البلاد التي وحدها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - إلى مرحلة جديدة مع استعادة الرياض عام 1902م، إلى دولة موحدة في 23 سبتمبر 1932م، ثم إلى دولة حديثة تتسع مؤسساتها وأدوارها ومصالحها، وتمتد علاقاتها السياسية والاقتصادية إلى مختلف أنحاء العالم. هذه المسافة الزمنية هي التي تمنح اليوم الوطني معناه السياسي. فالمناسبة لا تقف عند لحظة إعلان توحيد المملكة، لأن التوحيد كان بداية العمل الحقيقي. بعد تثبيت وحدة الأرض، وبدأت مهمة أكثر صعوبة تتمثل في بناء جهاز الدولة، وإدارة مناطق واسعة، وتوفير الأمن، وإنشاء المؤسسات، وتنظيم الموارد، وتقديم الخدمات، ثم الانتقال من دولة التأسيس إلى دولة التنمية. وهو ما توثقه الوثائق، إذ تشير إلى أن مرحلة التأسيس والبناء لم تقتصر على توحيد المناطق، بل شملت الجوانب الإدارية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، وإنشاء مجالس وأجهزة ووزارات ومؤسسات أصبحت لاحقًا جزءًا من الهيكل العام للدولة السعودية. من هنا يمكن فهم اليوم الوطني باعتباره تاريخًا للدولة، لا مجرد تاريخ لحدث سياسي واحد. فالحدث الذي وقع في 1932م كان إعلانًا عن اكتمال وحدة سياسية وجغرافية، لكن السنوات التي تلته كانت اختبارًا لقدرة هذه الدولة على البقاء والتطور وتحويل الوحدة إلى مؤسسات ومصالح مشتركة ومشروع تنموي طويل المدى. التوحيد كان البداية عندما استعاد الملك عبدالعزيز مدينة الرياض، لم تكن أمامه مهمة عسكرية فقط. كان أمامه مشروع دولة في منطقة مترامية الأطراف، تتفاوت فيها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والإدارية من منطقة إلى أخرى. ومع اتساع نطاق الدولة، أصبح تثبيت الأمن وتنظيم الإدارة وإدارة المناطق وتوفير الخدمات قضايا لا تقل أهمية عن استكمال التوحيد. وتظهرهذه المرحلة حجم العمل الذي رافق تأسيس الدولة. فقد أُنشئت المجالس الإدارية ومجلس الوكلاء ومجلس الشورى، ونظمت إدارة المقاطعات، وتأسست رئاسة القضاء والمحاكم الشرعية، ثم ظهرت وزارات الخارجية والمالية والدفاع والمواصلات والصحة والداخلية، إلى جانب مؤسسة النقد العربي السعودي وغيرها من الإدارات. هذه التفاصيل مهمة عند قراءة التجربة السعودية؛ لأنها تكشف أن بناء الدولة بدأ مبكرًا. لم يكن الأمر انتظارًا إلى أن تستقر البلاد اقتصاديًا ثم تبدأ المؤسسات، بل جاءت المؤسسات نفسها جزءًا من عملية تثبيت الدولة. وفي مكة المكرمة والحجاز، اتجهت الإدارة إلى تنظيم شؤون متعددة تشمل القضاء والمحاكم وشؤون الحرمين والأوقاف والمساجد، إلى جانب الأمن والصحة والبلديات والتجارة والزراعة والصناعة والمالية والجمارك.ولذلك تطور التنظيم الإداري ،مع اتساع الدولة وتغير حاجاتها، وأن الملك عبدالعزيز، رحمه الله - عمل على الاستفادة من الخبرات والأنظمة بما يتناسب مع حاجات البلاد، مع إخضاع ذلك للمرجعية التي اعتمدتها الدولة. وهذا جانب لا يحظى دائمًا بما يستحقه من الاهتمام في قراءة اليوم الوطني. فالتاريخ السياسي للدول لا يصنعه إعلان سياسي فقط، وإنما تصنعه قدرة الدولة على تحويل القرار إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى أنظمة، والأنظمة إلى ممارسة يومية يشعر بها الناس في حياتهم. الأمن قبل التنمية ربما كان الأمن أول اختبار فعلي للدولة الجديدة. فلا يمكن لدولة حديثة أن تبني اقتصادًا أو تعليمًا أو خدمات عامة في بيئة مضطربة، ولا يمكن لمؤسساتها أن تؤدي وظائفها إذا لم تكن هناك سلطة قادرة على تطبيق النظام وحماية الناس والطرق والممتلكات. ولهذا ارتبط تأسيس الدولة السعودية منذ بداياتها بترسيخ الأمن. وبناء الوطن تضمن تنظيم قوى الأمن الداخلي وتطوير المؤسسة العسكرية، وإنشاء المدارس والتدريب العسكري وتأسيس وزارة الدفاع، إلى جانب تنظيم الأجهزة المسؤولة عن الأمن العام. وعندما ننظر إلى مراحل التطور التي شهدتها المملكة لاحقًا، نجد أن الاستقرار وفر للدولة المجال لتوسيع التعليم والصحة والطرق والمواصلات والمياه والكهرباء والخدمات، ثم لإطلاق مشروعات اقتصادية أكبر مع نمو الموارد النفطية. هذا الترابط بين الأمن والتنمية ظل حاضرًا في الخطاب الرسمي السعودي عبر العقود. ففي مناسبات اليوم الوطني، ويعتبر الأمن والاستقرار من أبرز مرتكزات الدولة، وربطت بين توحيد البلاد وإرساء الأمن وبين ما تلا ذلك من بناء وتنمية. وليس من الصعب إدراك السبب. الدولة التي نجحت في تثبيت الأمن استطاعت أن تنتقل إلى ملفات أكثر تعقيدًا. وكل مرحلة اقتصادية جديدة احتاجت إلى بيئة مستقرة، وكل توسع في الخدمات احتاج إلى مؤسسات قادرة على الإدارة، وكل تحول اجتماعي احتاج إلى دولة تستطيع إدارة التغيير دون أن تفقد تماسكها. النفط غيّر الاقتصاد.. كان اكتشاف النفط نقطة تحول كبيرة في التاريخ السعودي. انتقلت المملكة بعدها إلى مرحلة مختلفة في موارد الدولة وقدرتها على تنفيذ مشروعات واسعة. الطرق، والمطارات، والموانئ، والمدارس، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، كلها توسعت مع مرور الوقت. لكن النفط لم يكن وحده الذي صنع التحول. العامل الأهم كان قدرة الدولة على استخدام الموارد في بناء قاعدة اقتصادية واجتماعية أوسع. وتشير المواد التاريخية إلى عدد من المشروعات التي رافقت مرحلة التأسيس والبناء، ومنها مشروعات النقل والزراعة والموانئ وأنابيب النفط وتوسعة الحرمين الشريفين. ومع العقود التالية اتسعت مشاريع البنية التحتية، وأصبحت التنمية أكثر تنظيمًا واتصالًا بخطط الدولة. هنا بدأت السعودية تنتقل تدريجيًا من اقتصاد محدود الموارد إلى اقتصاد نفطي كبير، ثم إلى اقتصاد يحاول اليوم توسيع مصادر دخله وتقليل اعتماده على مصدر واحد. وهذه النقلة الأخيرة هي التي تفسر كثيرًا مما يجري داخل المملكة في السنوات الأخيرة. رؤية 2030.. التحول من إدارة الموارد إلى إدارة الفرص عندما أطلقت المملكة رؤية 2030، لم تكن القضية مجرد خطة اقتصادية جديدة. كانت الرؤية محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والاقتصاد والموارد والقطاع الخاص والمجتمع. والهدف المعلن لم يكن التخلي عن النفط، وإنما بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ورفع مساهمة قطاعات جديدة، وتعزيز الاستثمار، وتطوير الخدمات، ورفع كفاءة الأجهزة الحكومية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، والاستثمار في الإنسان. ومن هذه الزاوية تبدو رؤية 2030 امتدادًا لمسيرة الدولة أكثر من كونها قطيعة معها. الدولة التي أنشأت مؤسساتها في مرحلة التأسيس، ثم وسعت جهازها الحكومي مع مراحل التنمية، تدخل اليوم مرحلة مختلفة تقوم على إعادة تنظيم كثير من الأدوار ورفع الكفاءة وربط الأداء بمؤشرات ونتائج. وتعتبر التحولات التي رافقت رؤية 2030 وبرامجها، ومن بينها برنامج التحول الوطني، وإعادة هيكلة قطاعات حكومية، وتطوير الخدمات، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز دور التقنية والبيانات والاقتصاد الرقمي. هذه ليست تفاصيل اقتصادية معزولة عن السياسة. عندما تتغير بنية الاقتصاد تتغير معها أولويات الدولة، وعندما تدخل قطاعات جديدة مثل السياحة والتقنية والصناعات المتقدمة والخدمات اللوجستية والترفيه والرياضة والثقافة، فإن الدولة توسع أدواتها وتعيد ترتيب مؤسساتها بما يتناسب مع الاقتصاد الجديد. ولهذا فإن التحول الذي تشهده المملكة اليوم يمكن قراءته باعتباره مرحلة جديدة في تطور الدولة السعودية نفسها. المجتمع يدخل مرحلة مختلفة التحول الاقتصادي لم يكن وحده. السنوات الماضية شهدت تغيرات اجتماعية واضحة في مجالات العمل والثقافة والسياحة والرياضة والترفيه، إلى جانب ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل وتوسع الفرص أمام الشباب. والمهم سياسيًا أن هذه التحولات لم تأت منفصلة عن مشروع الدولة. فالشباب يمثلون شريحة واسعة من المجتمع السعودي، والاستثمار في قدراتهم أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصاد. واليوم الوطني بين مسيرة التنمية وبين بناء الإنسان السعودي، مشيرة إلى الاهتمام بالتعليم والتدريب وإعداد الكفاءات الوطنية، وإلى التحولات التي شهدتها الدولة في تمكين الشباب وتوسيع مشاركتهم في مختلف المجالات. وهذا يضع التنمية أمام اختبار مختلف. فالمشروعات الكبرى يمكن قياسها بالأرقام، أما أثر التحولات الاجتماعية فيحتاج إلى سنوات حتى يظهر بصورة كاملة. الدولة اليوم لا تبني طرقًا ومطارات ومدنًا جديدة فقط. إنها تحاول بناء اقتصاد يحتاج إلى مهارات جديدة، ومجتمع أكثر مشاركة في سوق العمل، وأجيال تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية، لا قطاعًا منفصلًا عنها. السياسة الخارجية.. منذ تأسيس المملكة، لم تكن السياسة الخارجية ملفًا هامشيًا. فالملك عبدالعزيز تعامل مع العلاقات الخارجية باعتبارها جزءًا من بناء الدولة، وأرسى نمطًا من العلاقات يقوم على التواصل مع الدول والحفاظ على المصالح الوطنية. اهتمام الملك عبدالعزيز بالشأن الخارجي، وإلى السياسة التي اتبعها في علاقاته مع الدول، وإلى تطور العلاقات السعودية في العقود اللاحقة. كما ارتبط الدور السعودي تاريخيًا بالقضايا العربية والإسلامية، وبخدمة الحرمين الشريفين، وبمساندة قضايا المنطقة. ومع مرور الوقت، لم يعد الدور السعودي محصورًا في محيط الجزيرة العربية. المملكة أصبحت طرفًا حاضرًا في ملفات عربية وإسلامية ودولية متعددة، من القضية الفلسطينية إلى أمن المنطقة والطاقة والاقتصاد العالمي والممرات البحرية، إلى جانب مشاركتها في المنظمات والمحافل الدولية. هذا الاتساع لم يحدث في لحظة واحدة. هو نتيجة تراكم طويل في الخبرة السياسية والدبلوماسية. الدولة التي بدأت بعلاقات خارجية محدودة في مرحلة التأسيس أصبحت اليوم تتعامل مع قوى دولية كبرى، وتبني شراكات اقتصادية وسياسية، وتشارك في مناقشة أزمات المنطقة، وتستضيف قممًا واجتماعات دولية، وتستخدم أدوات اقتصادية واستثمارية إلى جانب الأدوات السياسية والدبلوماسية. وهذا يفسر لماذا أصبحت السياسة الخارجية جزءًا أساسيًا من صورة الدولة السعودية الحديثة. الخبرة لا تُبنى في عام من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض القراءات السريعة للتجربة السعودية النظر إلى التحولات الراهنة بمعزل عن تاريخ الدولة. المملكة لم تبدأ بناء مؤسساتها مع رؤية 2030، كما أن التحول الاقتصادي الحالي لم يبدأ من فراغ. هناك عقود طويلة من بناء الأجهزة الحكومية، وتطوير التعليم، وإدارة الاقتصاد، وتوسيع العلاقات الدولية، وتجربة الخطط التنموية، ثم مراجعة تلك التجارب والاستفادة منها. الملك عبدالعزيز وضع الأساس، ثم واصل أبناؤه الملوك البناء كل في مرحلته. ومع كل عهد ظهرت مؤسسات جديدة، وتوسعت اختصاصات مؤسسات قائمة، وتغيرت أدوات الدولة بما يتناسب مع حاجاتها. فهم التجربة السعودية فالدبلوماسي الذي يعمل اليوم في ملف دولي لا يبدأ من الصفر. والمؤسسة الحكومية التي تدير قطاعًا جديدًا تحمل وراءها تجربة طويلة في الإدارة. والاقتصاد الذي يبحث اليوم عن فرص استثمارية خارج النفط يستند إلى عقود من الخبرة في إدارة قطاع الطاقة والموارد المالية. التحولات الكبيرة تحتاج إلى ذاكرة مؤسسية رؤية 2030 تمثل الإطار الذي تتحرك من خلاله المملكة في هذه المرحلة. لكن نجاح أي رؤية لا يرتبط بالوثيقة نفسها، وإنما بقدرة المؤسسات على تنفيذها، وقدرة الاقتصاد على استيعاب التحولات، وقدرة المجتمع على المشاركة فيها، وقدرة الدولة على التعامل مع التحديات التي تظهر في الطريق. ومن هنا فإن اليوم الوطني مناسبة مناسبة لقراءة المستقبل بقدر ما هو مناسبة لقراءة الماضي. دولة تتغير.. ولا تفقد مسارها منذ عام 1932م تغيرت المملكة بصورة يصعب اختصارها في عنوان واحد. تغير حجم المدن، واتسعت المؤسسات، وتطورت الجامعات، وتغير الاقتصاد، وتوسعت البنية التحتية، وظهرت أجيال جديدة من الكفاءات، وتبدل موقع المملكة في الاقتصاد والسياسة الدولية. التوحيد كان بناءً للدولة، والمؤسسات كانت تثبيتًا لها، والأمن كان حماية لها، والتنمية كانت توسيعًا لقدرتها، والسياسة الخارجية كانت امتدادًا لمصالحها، ورؤية 2030 تمثل محاولة لإعادة تشكيل أدواتها بما يتناسب مع المستقبل. اليوم الوطني ودلالته السياسية لا يمكن النظر إلى اليوم الوطني باعتباره مناسبة احتفالية فقط. إنه يوم لقياس المسافة بين دولة التأسيس ودولة اليوم، وقراءة ما بقي من الطريق. وفي السياسة، لا تقاس قوة الدولة بما أنجزته في الماضي وحده، وإنما بقدرتها على تحويل تجربتها إلى قوة للمستقبل. والمملكة تملك في تاريخها ما يكفي لفهم نقطة البداية، وفي مؤسساتها وخبرتها ما يساعدها على التعامل مع المرحلة الجديدة. لهذا يبقى اليوم الوطني، في دلالته السياسية، مناسبة لاستحضار الدولة بكل مراحلها: دولة وحدت أرضها، وبنت مؤسساتها، ورسخت أمنها، ووسعت اقتصادها، راكمت خبرتها الدبلوماسية، ثم دخلت مرحلة جديدة تبحث فيها عن موقعها في عالم يتغير بسرعة.