من بناء منظومة التعليم إلى بناء الإنسان.. ماذا نريد أن يصنع التعليم السعودي؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

استمتعت، ومعي الآلاف من الحضور عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية باللقاء الإعلامي لمعالي وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان، حيث جاء اللقاء ليقدم صورة واسعة عما تم من أعمال، وما يتم حاليا لدعم منظومة التعليم في المملكة، وأيضا الجهود المبذولة للاستعداد للعام الدراسي الجديد.

لقد كان من المهم أن تُعرض هذه الصورة؛ لإزالة المخاوف من صدور المجتمع بشكل عام، ومن صدور العاملين في المجتمع التعليمي بشكل خاص، فالتعليم لم يعد مشروعًا يمكن اختزاله في بناء مدرسة أو تطوير كتاب أو إطلاق منصة، وإنما أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها البنية التحتية، والمعلم، والمناهج، والتقنية، والطفولة المبكرة، والموهبة، والتعليم الجامعي، وسوق العمل.

ومن أبرز ما أُعلن في اللقاء تنفيذ نحو 356 مشروعًا تعليميًا باستثمارات تقارب 3 مليارات ريال، إلى جانب إطلاق بوابة التعليم الموحدة، والتأكيد على عدم تدريس المعلم مادة خارج تخصصه، إلى جانب ملفات أخرى تتصل بتطوير المنظومة التعليمية ومكوناتها.

هذه إنجازات مهمة، وتستحق أن تُقرأ بإنصاف، خصوصًا أن تطوير التعليم ليس قرارًا واحدًا ولا مشروعًا واحدًا، وإنما مسار طويل يحتاج إلى استثمارات وسياسات وتراكم في الخبرة.

لكن كلما اتسعت المنظومة، أصبح السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذه التفاصيل أكثر أهمية:

فيمكن أن نبني المدارس، ونطور المناهج، ونؤهل المعلمين، ونطلق المنصات، ونستخدم الذكاء الاصطناعي، ونرفع كفاءة الخدمات، ثم نكتشف في النهاية أننا نجحنا في تطوير أدوات التعليم أكثر مما نجحنا في تحديد الغاية النهائية منه.

وهنا تبدأ الحاجة إلى ما يمكن تسميته فلسفة التعليم.

في إدارة المشروعات، يمكن أن يكون نجاحنا واضحًا: مشروع أُنجز في موعده، وضمن تكلفته، وحقق مؤشراته.

فالمدرسة ليست مبنى فقط، والمنهج ليس كتابًا فقط، والمعلم ليس حصة دراسية فقط، والطالب ليس نتيجة اختبار.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق تصميم المنهج، وبناء المدرسة، وتطوير المعلم، وإطلاق المنصة، واختيار أدوات التقويم هو:

نريد طالبًا يعرف، ويفكر، ويسأل، ويحل المشكلات، ويبدع، ويتحمل المسؤولية، ويحترم الاختلاف، ويعرف كيف يتخذ القرار، ويستطيع أن يتعلم طوال حياته، ويستخدم التقنية دون أن يصبح تابعًا لها.

وهنا تصبح الدرجات مهمة، لكنها لا تعود الغاية الوحيدة.

ربما يمكن اختصار التحول الذي يحتاجه التعليم في ثلاثة أسئلة:

الانتقال من السؤال الأول إلى الثالث هو الانتقال من قياس التحصيل إلى بناء القدرة.

وهنا تقدم سنغافورة تجربة تستحق التأمل، ليس من أجل نسخها، وإنما لفهم طريقة تفكيرها.

فوزارة التعليم السنغافورية حددت ما تسميه «نتائج التعليم المرغوبة»، وجعلت من بينها تكوين شخص واثق يمتلك حسًا واضحًا بالصواب والخطأ، ومتعلّم مستقل يتحمل مسؤولية تعلمه، ومساهمًا نشطًا يستطيع العمل مع الآخرين ويبتكر، ومواطنًا مسؤولًا يشارك في تحسين مجتمعه.

إنها إجابة عن سؤال: ما الإنسان الذي نريد أن يخرج من النظام التعليمي؟

فحين تحدد الدولة صورة الخريج الذي تريده، يصبح من الممكن أن تسأل بعد ذلك: هل المناهج تصنعه؟ هل المعلم قادر على بنائه؟ هل التقويم يقيس صفاته؟ وهل البيئة المدرسية تساعد على تكوينه؟

عندها تصبح عناصر النظام أجزاءً من منظومة واحدة، لا مشروعات متجاورة.

فلسفة التعليم لا تعني أن نختار بين التفوق والإنسان لكن وجود فلسفة واضحة لا يعني بالضرورة أن الفلسفة صحيحة أو متوازنة.

النظام التعليمي الكوري حقق مستويات قوية من التحصيل، لكن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تشير أيضًا إلى أن الطلاب الكوريين يقضون وقتًا طويلًا في الدراسة خارج ساعات التعليم الرسمية، بما يعكس ضغطًا أكاديميًا مرتفعًا. كما تناولت تقارير (OECD) تحديات مرتبطة بقلق الدراسة ورفاه الطلاب والمعلمين.

لا يكفي أن نحدد الإنسان الذي نريد؛ بل يجب أن نتأكد أن الطريق إلى هذا الإنسان لا يستهلك الإنسان نفسه.

ولا طالبًا ناجحًا في الاختبار لكنه عاجز عن اتخاذ القرار.

ولا طالبًا يجيد حفظ الإجابة لكنه لا يعرف كيف يطرح السؤال.

الفلسفة التي نحتاجها هي فلسفة توازن بين التميز والرفاه، وبين المعرفة والشخصية، وبين المنافسة والمسؤولية، وبين النجاح الأكاديمي والنجاح في الحياة.

فنلندا.. عندما يصبح رفاه الطالب جزءًا من النظام

في فنلندا، لم يُترك رفاه الطالب للنشاطات الجانبية أو للمبادرات الفردية.

توضح الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم أن رفاه الطلاب جزء أساسي من التعليم، ومدمج في التشريع والمناهج الوطنية، ويشمل الجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية، كما توجد منظومات دعم متعددة التخصصات للطلاب.

كما أن المنهج الوطني الفنلندي لا يتعامل مع التعلم باعتباره نقلًا للمحتوى فقط، بل يربطه بالقيم، وبمفهوم التعلم، وبثقافة المدرسة، ويمنح الطالب دورًا في تحديد الأهداف وحل المشكلات وتقويم تعلمه.

هذه التجربة تضع أمامنا سؤالًا يستحق التأمل:

عندما نقول: إن المدرسة جاهزة لاستقبال الطلاب، هل نقصد أنها جاهزة من حيث المبنى والكتب والجداول والمنصات فقط؟

أم أنها جاهزة أيضًا من حيث التجربة التي سيعيشها الطالب؟

هل سيجد مساحة للسؤال والاختلاف والتجربة؟

هنا تتحول المدرسة من مبنى إلى تجربة إنسانية وتعليمية متكاملة.

المعلم.. من امتلاك التخصص إلى صناعة الأثر

ومن هنا يمكن النظر إلى التأكيد على عدم تدريس المعلم مادة خارج تخصصه بوصفه خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

أما المعلم المؤثر فيعرف مادته ويعرف كيف يجعل الطالب يريد أن يتعلمها.

وهذا الفارق سيصبح أكثر وضوحًا في عصر الذكاء الاصطناعي.

فإذا أصبح بإمكان الطالب الوصول إلى شرح لأي مفهوم، وتلخيص أي نص، وتوليد أسئلة، وتحليل معلومات، واقتراح حلول، فإن قيمة المعلم لا تختفي؛ بل تنتقل إلى مساحة أكثر أهمية.

سيصبح دور المعلم أكثر ارتباطًا ببناء التفكير، والحوار، والقيم، والدافعية، والقدرة على الحكم، وتحويل المعرفة إلى معنى.