من بناء الشراكات إلى صناعة منظومة دولية لحماية شرايين التجارة العالمية – سعدون مطلق  السوارج

لم تكن البحار عبر التاريخ مجرد مساحات تفصل بين اليابسة، بل كانت ميادين لصناعة النفوذ، وطرقًا عبرت منها الحضارات، وشرايين حملت التجارة بين الأمم. فمنذ أن أدرك الإنسان قيمة الملاحة، ارتبط ازدهار الدول بقدرتها على حماية الطرق التي تصلها بالعالم، وأصبحت الممرات البحرية جزءًا من معادلات القوة والمكانة.

من بين هذه الممرات التي احتفظت بأهميتها عبر العصور، يبرز البحر الأحمر باعتباره واحدًا من أكثر المسارات البحرية تأثيرًا في التاريخ والحاضر. فقد كان طريقًا للتجارة بين الحضارات القديمة، وبقي اليوم محورًا رئيسيًا في حركة الاقتصاد العالمي، بسبب موقعه الذي يربط بين قارات ومراكز إنتاج واستهلاك كبرى.

وفي قلب هذه الأهمية التاريخية والاستراتيجية يأتي مضيق باب المندب؛ ذلك الممر البحري الذي لا يمثل مجرد نقطة عبور للسفن، بل يمثل بوابة حيوية تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتشكل سلامته عنصرًا أساسيًا في استقرار حركة التجارة والطاقة العالمية.

ولهذا فإن أمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد قضية إقليمية محدودة، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الدولي؛ لأن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد وحركة التجارة بين القارات.

من هنا تبرز أهمية الإعلان عن تأسيس تحالف بحري دفاعي دولي جديد بقيادة المملكة العربية السعودية لحماية الملاحة والتجارة العالمية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

هذا التحالف لا يمثل مجرد ترتيبات أمنية بين مجموعة من الدول، بل يعكس تحولًا في مفهوم الأمن البحري؛ إذ ينتقل من مرحلة التعامل مع المخاطر بعد وقوعها إلى مرحلة بناء منظومة تعاون قادرة على حماية الاستقرار وتعزيز حرية الملاحة.

لقد جاء تأسيس هذا التحالف في مرحلة شهدت تصاعدًا في التهديدات التي واجهت الملاحة الدولية، خصوصًا بعد الاعتداءات التي استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وما نتج عنها من قلق عالمي حول سلامة أحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم.

وكشفت تلك التطورات أن طبيعة التحديات البحرية تغيرت؛ فلم تعد المخاطر مرتبطة فقط بالصراعات التقليدية، بل ظهرت أنماط جديدة من التهديدات تستخدم أدوات متعددة للتأثير على حركة النقل والتجارة.

وكانت الاعتداءات المرتبطة بالحوثيين والمدعومة من إيران مثالًا واضحًا على خطورة تحويل الممرات البحرية إلى ساحات ضغط، وهو ما عزز الحاجة الدولية إلى منظومات تعاون تحمي حرية الملاحة وتمنع تهديد الاقتصاد العالمي.

لكن القراءة الإستراتيجية الأعمق لا تتوقف عند الأحداث المباشرة، بل تبحث في التحول الأكبر؛ وهو أن الأمن البحري أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي العالمي.

فالسفينة التي تعبر البحر الأحمر لا تحمل مصالح دولة واحدة فقط، بل تمثل حلقة في شبكة اقتصادية واسعة تمتد بين القارات، وأي تهديد لحركتها يمكن أن يؤثر في التجارة والطاقة والاستثمار والأسواق العالمية.

ومن هنا فإن حماية الممرات البحرية لم تعد مسؤولية عسكرية فقط، بل أصبحت مسؤولية إستراتيجية ترتبط باستقرار الاقتصاد الدولي.

لهذا يأتي التحالف الجديد بطبيعة دفاعية واضحة؛ فهو يركز على حماية الملاحة وتأمين خطوط التجارة وتعزيز التعاون بين الدول، دون أن يكون قائمًا على استهداف دولة بعينها، بل على مواجهة المخاطر التي تهدد الاستقرار البحري.

وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر الدور السعودي بصورة بارزة. فقيادة المملكة العربية السعودية لهذا التحالف لم تأتِ باعتبارها استجابة مؤقتة لظرف عابر، بل جاءت ضمن مسار طويل من بناء الشراكات وتعزيز مفهوم العمل الجماعي في القضايا الأمنية والاستراتيجية.

فالمملكة تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها في قلب معادلة البحر الأحمر، لكنها لم تنظر إلى هذا الموقع باعتباره ميزة جغرافية فقط، بل عملت على تحويله إلى عنصر تأثير من خلال بناء القدرات، وتطوير العلاقات، وربط الأمن بالتنمية.

وهنا تظهر إحدى الحقائق الأساسية في قراءة دور الدول:

«الجغرافيا تمنح الدول موقعًا، لكن الرؤية والقدرة هما ما يحولان الموقع إلى مكانة».. فالدول التي تقود المبادرات الكبرى لا تصل إلى هذه المكانة بسبب موقعها فقط، بل بسبب قدرتها على بناء الثقة، وجمع الشركاء، وتحويل الإمكانات إلى تأثير.

من هذا المنطلق، فإن فهم التحالف البحري الجديد يحتاج إلى قراءة المسار الذي سبق هذه اللحظة؛ لأن الأدوار التاريخية لا تُبنى في يوم واحد، وإنما تتشكل عبر تراكم الخبرات والمواقف والشراكات.

وفي هذا السياق تبرز محطات مهمة، من بينها تمرين رعد الشمال عام 2016 الذي استضافته المملكة العربية السعودية في مدينة الملك خالد العسكرية بحفر الباطن، بمشاركة قوات من دول عربية وإسلامية، ليقدم نموذجًا بارزًا في تعزيز مفهوم العمل المشترك ورفع مستوى التنسيق والجاهزية.

ولهذا فإن حماية البحر الأحمر وباب المندب أصبحت جزءًا من مسؤولية دولية مشتركة، لأن أي تهديد يطال هذه المنطقة لا يتوقف تأثيره عند حدود الدول المطلة عليها، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وحركة التجارة الدولية.

من هنا تأتي أهمية التحالف الجديد؛ فهو يقوم على فكرة جوهرية مفادها بأن حماية المصالح المشتركة تحتاج إلى عمل جماعي منظم، وأن أمن الملاحة لا يمكن أن يعتمد على جهود منفردة مهما بلغت قدرات الدول، فالتهديدات البحرية الحديثة تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين القيادة، والمعلومات، والتنسيق، والتقنيات المتقدمة، والقدرة على اتخاذ القرار بصورة سريعة وفعالة.

وهذا ما يميز طبيعة التحالف الجديد؛ فهو لا يقوم فقط على وجود قوات بحرية، بل على بناء إطار مؤسسي يربط بين الدول المشاركة ويمنحها قدرة أكبر على التعامل مع التحديات المتغيرة.

ومن هنا تظهر أهمية اختيار المملكة العربية السعودية لقيادة هذا التحالف واستضافة مقره وأجهزته التنفيذية.

إن اختيار المملكة لقيادة هذا التحالف يعكس اجتماع مجموعة من العوامل الاستراتيجية؛ فهناك الموقع الجغرافي الذي يجعلها في قلب معادلة البحر الأحمر، وهناك الخبرة السياسية والدبلوماسية التي تمكنها من إدارة العلاقات بين الدول، وهناك الرؤية التي تربط بين الأمن والتنمية.

هذا الترابط بين الأمن والتنمية يمثل أحد أهم التحولات في التفكير الاستراتيجي الحديث. فالدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد قوي تحتاج إلى بيئة مستقرة، والاستقرار يحتاج إلى حماية الطرق التي تعتمد عليها التجارة والاستثمار.

ومن هنا فإن الأمن البحري أصبح جزءًا من البنية الأساسية للتنمية الاقتصادية. فالموانئ، والخدمات اللوجستية، وحركة التجارة العالمية، كلها تحتاج إلى ممرات بحرية آمنة وموثوقة.

وهذا ما يفسر اهتمام المملكة بتعزيز دورها في هذا المجال؛ فالموقع الجغرافي لا يصبح قوة حقيقية إلا عندما يتحول إلى مشروع إستراتيجي.

إن امتلاك سواحل وممرات بحرية مهمة يمثل فرصة، لكن تحويل هذه الفرصة إلى تأثير يحتاج إلى رؤية وقدرة على بناء المؤسسات.

وهنا تظهر خصوصية التجربة السعودية؛ فهي لا تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره ملفًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تجمع بين حماية المصالح الوطنية والإسهام في الاستقرار الدولي.