.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
"رضينا بالهمّ والهمّ ما رضي فينا". بهذه العبارة يلخّص محمد جوني، بطل لبنان سابقاً في المصارعة الحرة، واقعاً لم يكن يتخيّل أن يصل إليه يوماً. الرجل الذي حلم بامتلاك نادٍ رياضي وتدريب أجيال من الأبطال، يجد نفسه اليوم خلف مقود سيارة أجرة، يخوض معركة يومية مختلفة عنوانها توفير لقمة العيش.
في شوارع بيروت، لم تعد رحلة البحث عن راكب سهلة، ولم يعد العمل لساعات طويلة ضمانا لمدخول يكفي لتغطية المصاريف. يوقف جوني سيارته، يفاوض على أجرة الرحلة، ويحاول إقناع الركاب بأنّ ما يبدو لهم مبلغاً مرتفعاً لا يعكس حقيقة ما يتكبّده السائق من أعباء. حين يعترض أحد الركاب على أجرة تبلغ 400 ألف ليرة لبنانية، لا يكتفي جوني بتبرير المبلغ، بل يدعوه إلى الصعود والاستماع إلى حكايته. داخل السيارة، يبدأ الرجل بسرد تفاصيل يومياته، حيث لم تعد المشكلة محصورة بارتفاع أسعار البنزين، بل باتت تمتدّ إلى مختلف جوانب الحياة. يقول إنّ السائق قد يمضي ساعة كاملة في البحث عن راكب، فيما تستهلك زحمة السير ما تبقّى من وقته ووقوده.
وبين غلاء المعيشة واعتراض الركاب على الأجرة، يجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يمكن توفير مدخول يكفي للعيش، فيما تتراجع حركة العمل وترتفع كلفته؟
"بتبرم النهار كلّه من أوّله لآخره، ما عم تطلع حقّ بنزيناتك"، يقول جوني، مستعيداً أياماً كان فيها العمل لساعات محدودة كافياً لتأمين رزق يومه. أمّا اليوم، فقد بات مضطراً إلى قضاء ساعات طويلة خلف المقود، من دون أن يضمن أن يعود إلى منزله بما يكفي لتغطية أبسط حاجاته.
ويستشهد بيوم عمله، حين بلغت إيراداته مليون ليرة لبنانية، فيما أنفق نحو مليون ونصف مليون على الوقود، رغم أنّ خزان السيارة لم يكن فارغاً بالكامل. وبينما يحاول إجراء بعض التصليحات بنفسه لتخفيف الأعباء، تبقى الأعطال الميكانيكية عبئاً إضافياً، إذ قد يؤدي ثقب إطار واحد إلى خسارة يوم عمل كامل. لكنّ ما يثقل كاهل جوني لا يقتصر على مصاريف السيارة. فهو يحتاج إلى جراحة، إلا أنّ وضعه المادي لا يسمح له بتحمّل تكاليفها، ويقول إنّه بات يخشى دخول المستشفى بسبب عجزه عن توفير المبلغ المطلوب.
A post shared by النهار - لبنان (@annahar_lebanon)
وفي نهاية يومه، لا يتجاوز ما يعود به إلى المنزل، بحسب روايته، نحو 10 إلى 15 دولاراً، قبل احتساب إيجار المنزل وسائر المصاريف. وبينما تتراجع فرص العمل، يجد نفسه عاجزاً حتى عن إصلاح سيارته التي تشكّل مصدر رزقه الوحيد.
ولم ينسَ جوني حلمه القديم بامتلاك نادٍ للمصارعة الحرة، حيث كان يتطلّع إلى تدريب أجيال ونقل خبرته الرياضية إليها. لكنّ الظروف الصعبة والحروب والانقسامات التي يعيشها لبنان أبعدته عن ذلك الحلم، وفرضت عليه أولويات أكثر إلحاحاً. اليوم، لا يطلب جوني أكثر من أن يتمكّن من ضمان لقمة عيشه وتكاليف عمله، وأن يعود إلى منزله بما يكفي للعيش بكرامة. وبين ماضٍ حمل فيه لقب بطل لبنان، وحاضرٍ يصارع فيه الغلاء خلف مقود التاكسي، تبقى أمنيتُه بسيطة: "إن شاء الله نطلّع حقّ البنزينات... وعلى الله".