ثمة لحظات في تاريخ الأوطان لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن الميدان يختصر الكلام، وما شهدته اليمن خلال الأيام الماضية واحدة من تلك اللحظات التي أعادت رسم المشهد بلغة مختلفة، لغة لا تكتبها البيانات وحدها، بل تكتبها رايات تتقدَّم على الأرض، ومواقع تُستعاد، وطرق إمداد تُقطع، ومضيق إستراتيجي يعود إلى قبضة الدولة اليمنية، وخلف كل ذلك تقف المملكة العربية السعودية بثقلها وإمكاناتها وموقفها الذي لم يتبدل، يمنٌ عربي يستعيد دولته، وأمنٌ سعودي لا يُساوم عليه، ومنطقة لا ينبغي أن تبقى رهينة لمشروع إيراني عابر للحدود.
في باب المندب وذوباب والمخا لم تكن المعركة مجرد استعادة مواقع على الخارطة، فباب المندب واحد من أهم شرايين الملاحة الدولية، والسيطرة عليه تعني الكثير لليمن وللسعودية وللعالم، وقد أعلنت القوات الحكومية اليمنية سيطرتها على باب المندب ومطار ذوباب، بعد تقدم لقوات درع الوطن وألوية العمالقة والمقاومة الشعبية، وسط إسناد جوي من تحالف دعم الشرعية، كما امتد التقدم باتجاه المخا، في مشهد أعاد المبادرة العسكرية إلى قوات الدولة، وأثبت أن الحوثي مهما تمدد فإن الأرض ليست ملكًا دائمًا لمن استولى عليها بقوة السلاح.
والسعودية هنا ليست متفرجًا يصفق لانتصار حليف، بل شريك في صناعة القدرة التي جعلت هذا التقدم ممكنًا، قيادة تحالف دعم الشرعية أعلنت استمرار الدعم العملياتي للحكومة والقوات المسلحة اليمنية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، ومع انطلاق عملية «فجر اليمن» أعلن التحالف تدمير 324 هدفًا عالي القيمة، وتوفير الإسناد والحماية الجوية لمضيق باب المندب، فيما أشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بالتقدم الميداني وبإسناد التحالف، وهي شواهد تجعل الحديث عن الدور السعودي حديثًا عن فعل يُرى على الأرض، لا عن شعارات تُقال من بعيد.
وحتى اليوم، السادس من أكتوبر، ما زالت الرسالة السعودية تتقدم مع الميدان، فقد أعلن التحالف تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ الباليستية في موقع جبلي بصعدة يضم عشرين صاروخًا، في تأكيد واضح أن حماية المملكة ودعم الشرعية اليمنية مساران يلتقيان عند هدف واحد، ألا يبقى السلاح الحوثي المهدد لليمن وجيرانه قادرًا على فرض منطقه على المنطقة.
هذه هي السعودية التي نعرفها، حين تصبر فلا يعني صبرها ضعفًا، وحين تمنح السياسة فرصتها فلا يعني ذلك أن يدها عاجزة عن حماية أمنها، وحين تقف مع اليمن فإنها لا تبحث عن أرض يمنية ولا عن ثروة يمنية، بل عن جار آمن ودولة مستقرة وشعب يستعيد قراره بعيدًا عن مشروع جعل من اليمن منصة للصواريخ والطائرات المسيَّرة وأداة ضغط إيرانية على الجزيرة العربية والبحر الأحمر.لقد دفعت المملكة خلال سنوات الأزمة ثمن موقعها وموقفها ومسؤوليتها، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا، ولم تتخلَّ عن اليمن في أشد مراحله قسوة، واليوم عندما تتقدم قوات الشرعية فإن من الإنصاف أن يقال إن وراء هذا الصمود شقيقًا كبيرًا لم يغلق بابه، ولم يسحب يده، ولم يترك اليمن وحيدًا أمام انقلاب أراد أن يحول عروبته إلى ورقة في ملفات طهران.
وما يلفت النظر في التطورات الأخيرة أن باب المندب ليس نهاية الطريق، بل ربما يكون عنوانًا لبداية مرحلة جديدة، فالحكومة اليمنية أعلنت أن عملية «فجر اليمن» تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والخطاب الصادر عن قيادتها يتحدث صراحة عن استعادة كامل التراب الوطني، ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط عمّا استُعيد بالأمس، بل عن اتجاه البوصلة غدًا، وعن صنعاء التي تبقى قلب اليمن وعاصمته، ولا يكتمل استرداد الدولة اليمنية إلا بعودتها إلى حضنها الوطني.
لكن الانتصار الحقيقي الذي نتمناه لليمن ليس في اتساع رقعة الحرب، وإنما في أن تقود هذه الانتصارات إلى دولة تستعيد قرارها وسلاحها ومؤسساتها، فصنعاء التي ننتظر عودتها ليست غنيمة لأحد، وإنما عاصمة لكل اليمنيين، واليمن الذي تقف السعودية معه ليس يمن جماعة أو طائفة أو حزب، بل يمن الدولة والجمهورية والسيادة، يمن يستطيع أبناؤه أن يختلفوا تحت سقف وطنهم، لا تحت فوهة بندقية مرتبطة بالخارج.
أما الحوثي، فقد كان أمامه طوال سنوات طريق واضح، أن يكون جزءًا من اليمن لا سيدًا عليه بقوة السلاح، وأن يختار الدولة بدل الميليشيا، والسلام بدل الصاروخ، واليمن بدل الارتهان للمشروع الإيراني، لكنه اختار طريقًا آخر، وحين تتحول الجماعة المسلحة إلى تهديد لدولة وشعب وممرات دولية ودول الجوار، يصبح استعادة الدولة لسلطتها وسيادتها حقًا لا يحتاج إلى تبرير.
اليوم من باب المندب تهب رياح مختلفة، ومن ذوباب والمخا تصل رسالة يصعب تجاهلها، أن موازين الميدان قابلة للتغيير، وأن الدولة التي ظن البعض أنها لن تنهض قادرة على استعادة أرضها متى توحدت إرادتها ووجدت السند الصادق، وأن المملكة التي راهن خصومها على إنهاكها ما زالت واقفة، قوية في قرارها، ثابتة في موقفها، تعرف متى تمد يد السلام، وتعرف كذلك كيف تحمي حدودها وتقف مع أشقائها.
ونحن في السعودية يحق لنا أن نفخر ببلادنا، بقيادتها وجيشها ورجالها ومواقفها، فهذه الأرض التي جعلت أمنها جزءًا من أمن أمتها لم تتأخر يومًا حين ناداها الواجب، واليمن بالنسبة لنا ليس ملفًا خلف الحدود، إنه جار وأخ وامتداد تاريخ وجغرافيا ومصير، واستقراره قوة لنا كما أن أمن المملكة قوة له.من باب المندب بدأت في هذه الأيام كتابة صفحة جديدة، ولا أحد يستطيع أن يجزم اليوم أين ستكون آخر سطورها، لكننا نستطيع أن نقول إن الطريق إلى استعادة الدولة أصبح أكثر وضوحًا، وإن صنعاء ما زالت تنتظر يومها، وإن اليمن يستحق أن يعود يمنيًا عربيًا حر القرار، لا منصة لمشروع إيراني ولا ساحة لحروب الوكالة.
سلامٌ على السعودية وهي تسند الحق، وسلامٌ على رجال اليمن وهم يستعيدون أرضهم، وسلامٌ على كل يد تقاتل من أجل عودة الدولة، ولتكن الانتصارات التي بدأت من باب المندب بشائر طريق ينتهي عند صنعاء، وعند كل شبر من أرض اليمن يعود إلى سيادة دولته.
ثمة لحظات في تاريخ الأوطان لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن الميدان يختصر الكلام، وما شهدته اليمن خلال الأيام الماضية واحدة من تلك اللحظات التي أعادت رسم المشهد بلغة مختلفة، لغة لا تكتبها البيانات وحدها، بل تكتبها رايات تتقدَّم على الأرض، ومواقع تُستعاد، وطرق إمداد تُقطع، ومضيق إستراتيجي يعود إلى قبضة الدولة اليمنية، وخلف كل ذلك تقف المملكة العربية السعودية بثقلها وإمكاناتها وموقفها الذي لم يتبدل، يمنٌ عربي يستعيد دولته، وأمنٌ سعودي لا يُساوم عليه، ومنطقة لا ينبغي أن تبقى رهينة لمشروع إيراني عابر للحدود.
في باب المندب وذوباب والمخا لم تكن المعركة مجرد استعادة مواقع على الخارطة، فباب المندب واحد من أهم شرايين الملاحة الدولية، والسيطرة عليه تعني الكثير لليمن وللسعودية وللعالم، وقد أعلنت القوات الحكومية اليمنية سيطرتها على باب المندب ومطار ذوباب، بعد تقدم لقوات درع الوطن وألوية العمالقة والمقاومة الشعبية، وسط إسناد جوي من تحالف دعم الشرعية، كما امتد التقدم باتجاه المخا، في مشهد أعاد المبادرة العسكرية إلى قوات الدولة، وأثبت أن الحوثي مهما تمدد فإن الأرض ليست ملكًا دائمًا لمن استولى عليها بقوة السلاح.