ناقشَ مساق الأسبوع الماضي ظاهرة التبذُّل في الشِّعر العبَّاسي، ولاسيما في عصرٍ عريقٍ في ثقافته غير الإنسانيَّة، المعتَّقة بمجتمعها الطبقي، المتشظِّي بين السَّادة والعبيد، وحواشي ذلك، من غلمانٍ وجوارٍ، وتُجَّار بشَر. وحينما تترسَّخ هذه الثقافة تمَّسخ الطبائع والقِيَم؛ لتنحطَّ في دركاتها عن حياة الحيوان، الأرقى أحيانًا ممَّن يُسمَّى الإنسان، تلك الحياة الحيوانيَّة التي لا طبقيَّة فيها ولا رِقَّ ولا تبديل لسُنن الله في خلقه. ولذا رأينا أنَّ العصر العبَّاسي كان يبدو- غالبًا- غارقًا إلى أُذنيه في مستنقع الرَّذيلة، بلا شعور بقبحيَّاته. بل سعى- من خلال وسائل إعلامه، الشِّعر والشُّعراء- إلى التفنُّن في تجميل تلك القبحيَّات، والتنافس في تلميع أربابها. ضاربين المَثَل ببعض شِعر (أبي تمَّام)، وهو شاعر السيف والحرب، فكيف بغيره؟! ورأى (ذو القُروح)- مع أنه يعاني أحيانًا من بعض الذُّباب الطائر على رؤيته- أنَّنا لا نقرأ التُّراث، وإنَّما نُصفِّق ونُردِّد ونحفظ، مغمضي العقول؛ ولذا تصدمنا المكاشفات! قال: وهذا هو «المسكوت عنه» الواجب كشفه؛ لتعرف عمَّن تأخذ عقلك وقِيَمك، وإلَّا كنتَ كالمريض الذي لا يُحِب أن يعلم شيئًا عن واقعه المَرَضي ولا عن تاريخ حالته المزمنة. قلتُ- وقد استفزَّني بثقته الزائدة في ما يقول-:
ـ وهل الفساد الأخلاقي في النصِّ فسادٌ أخلاقيٌّ في الشخص (الكاتب)؟
ـ ليس بالضرورة.. ولكن حينما يكون فساد النصِّ (شكلًا ومضمونًا)، ولا يبدو للناقد وراء الصورة الأدبيَّة مغزًى أدبيٌّ، فلا مناص من محاكمة الكاتب أخلاقيًّا وفكريًّا على ما اقترفت يداه.
ـ هذا في التراث. ولكن ما أشبه اللَّيلة بالبارحة! فقد حدَّثتَنا في مساق سابق عن مقولة معاصرة تتذرَّع بأنَّ اللُّغة العَرَبيَّة ليست بلغةٍ مقدَّسة، ولا يمكنك صناعة (عجَّة/ شكشوكة) دون أن تكسر بيضًا، حسب مقولة (لينين)!
ـ ليَّنَ الله عريكتك! دع عنك مسألة «القداسة» تلك، وولِّ وجهك شطر احترام الذات والهويَّة من خلال اللُّغة، قبل الأدب. فلن تجد أُمَّةً في الكون، ولا في التاريخ، ترفع رايةَ لغةٍ غير لُغتها، في المطارات، والمستشفيات، الحكوميَّة والأهليَّة، والجامعات، والتعليم، والإعلام- لا شرقًا ولا غربًا، ولا قديمًا ولا حديثًا- غير الأُمَّة العَرَبيَّة اليوم، إنْ صحَّت تسميتها بأُمَّة، بما يعنيه هذا الاصطلاح!
ـ لِـمَ لا تلتمس لها العذر؟ فهي أُمَّةٌ مغلوبةٌ على أمرها، مستلبةٌ للآخَر، مسيَّرةٌ لا مخيَّرة!
ـ هذا عُذرٌ أقبح من ذنب. ولا سبب لهذا إلَّا أنَّ العَرَب ما انفكوا مستعبَدين، يرزحون تحت نِيْر الاحتلال اللُّغوي والثقافي، منذ ما يربو عن مئة عام. ولا أمل يلوح في الأفق لتحرُّرهم من عبوديَّتهم؛ لأنَّه إذا كان يمكن التحرُّر من المستعمِر الغازي، فإنَّه يطول جِدًّا الوصول إلى التحرُّر من المستعمِر الوطني. ذلك أنَّ العَرَب، كما قال (البردُّوني)، في قصيدته «الغزو الداخلي»:
تراهم مهطعين في غرامهم إلى الدُّعاة من كلِّ صَوْب، يتأرجحون- راضين، بل متباهين بأنفسهم- بين الاستعمارَين:
أمَّا في الأدب، فها هو ذا النَّشْر الإلِكتروني المبارك يضطلع بدَوره اليوم، تحت شعارات منها: «الواقعيَّة الرقميَّة». وهي واقعيَّة لا تخلو من توسُّل مفردات الرواية الورقيَّة الشائعة- بدعوَى الواقعيَّة- ولاسيما ثالوث الحساسيَّة المعروف: الدِّين والجنس والسياسة. وتلك شنشنة روائيَّة عربيَّة بامتياز، تتغنَّى بـ(الواقعيَّة) من أجل واقعيَّة أخرى، هي (واقعيَّة السُّوق والبَيع) لجماهير عالَمٍ مكبوت، وسيلة جذبه الأُولى هي تلك المحرَّمات الثلاث. ملقيةً عُرض الحائط بمسؤوليَّاتها الأدبيَّة والأخلاقيَّة عمَّا عدا قِيَم الشراء، خائنةً العَقد الاجتماعي الإنساني، المتعلِّق ببناء الأُسرة والمجتمع والعلاقات الإنسانيَّة النبيلة، والمتَّفَق عليها كونيًّا، بصرف النظر عن الهويَّات والأديان.
ـ في المحصِّلة فإنَّ تلك الممارسات تُغفل، في غباء، طموحاتها إلى ما فوق الجسد والإثارة الشعبيَّة الرخيصة! ولا شكَّ أنَّ خطورة هذه (الواقعيَّة الإنترنتيَّة) على البنية التربويَّة السويَّة تفوق مورِّثتَها المسكينة (الواقعيَّة الورقيَّة)، في الوقت الذي لا تضيف إلى خصوصيَّة الأدب الإلِكترونيِّ شيئًا، بل إنَّ ضرورات السُّوق هاهنا منتفية، ما دامت المادَّة معروضة على الشبكة، ومجانًا!
ـ غير أنَّها تبقى سُوق الأضواء والذُّيوع وإغراءاتهما.
ـ والمفارقة الرئيسة في هذا المضمار: أنْ يُعلِن عملٌ ما أنه ينقد الواقع، فإذا هو يكرِّسه وينشر أوبئته على أوسع نطاق، ما يدلُّ على زيف الدَّعوَى، وأنانيَّة الهدف! وبمنظورٍ مُوازٍ، فإنَّ التقنية لم تزدنا- فيما يبدو- إلَّا عشقًا لعوالمنا البدائيَّة الغريزيَّة المتَّقدة العريقة؛ إذ وُظِّفت لبثِّ تلك العوالم الدُّنيا، لا ارتفاعًا إلى ما يفترضه عالمها الرقمي من قِيَم عقلٍ وعلمٍ وفكرٍ وروحٍ وإبداع.
ـ ما رسالة الفن إذن؟ وهل تتناقض جماليَّةُ الفنِّ مع الأخلاق؟
ـ سؤال عتيق. تلك هي رسالة الفنِّ، تربية الذوق، وتبصير الإنسان، لا إفساد ذوقه وإغواء عقله ونفسه. فالفنُّ أداةٌ أخلاقيَّة، وتلك وظيفته منذ أن كان. والخلاف القديم، الذي دار بين (أفلاطون) و(أرسطو)، مثلًا، حول المدينة الفاضلة، إنَّما كان يدور حول: كيف يؤدِّي الفنُّ وظيفته الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة؟ وهو ما لم يتفهَّمه أفلاطون، فيما رأى أرسطو ذلك عبر فكرة «التطهير»؛ فالجريمة في العمل الأدبي تَرِد لهدفٍ سامٍ من تخليص النفوس من مكبوتاتها، وتبصير الإنسان بالطبيعة البَشريَّة وتركيباتها، وإيجاد العِبَر والدُّروس. أمَّا حين لا يحتوي العمل على أيِّ بُعد من تلك الأبعاد، من قريبٍ أو بعيد، بل حينما يصبح ترويجًا لأمراض النفوس والعقول وتطبيعًا للنفس على التعايش مع تلك العاهات والتكيُّف مع سوءاتها، فهو حينئذ عملٌ لا أخلاقي ولا فنِّي.
ـ ولا مبرِّر لوجوده؟ إلَّا إنْ كان للجريمة مبرِّر وجود! فهو بصفته تلك جريمة من أخطر الجرائم التي ينبغي أن يعاقب عليها القانون.
ـ أنا لا أميل إلى ثقافة المنع، بما أنَّ تلك سياسة من لا سياسة له، وحلُّ من لا حلَّ له.
ـ ولا أنا. بل تَصْدُق هنا مقولة «كلُّ ممنوع مرغوب». لكن ما الحل؟ لا بُدَّ ممَّا ليس منه بُد.
ـ ولثقافة المنع تلك، وخطلها، فإنك ترى أنَّنا حتى في أنظمة مرورنا نَسُدُّ شوارعنا، بعد أن شُقَّت، ونحرِّف مساراتها بعد أن أُقيمت، لأنَّنا في حاقِّ الواقع عاجزون عن إيجاد الحلول الناجعة!
ـ وتلك حيلة المتخلِّف العاجز، أو من يريد أن يُلقي عن كاهله عبء المسؤولية والتدبير والجهد، فإذا هو يقفلها ويستريح، على طريقة المثل العامِّي (العظيم!)، حول: «الباب الذي يجيء لك منه الرِّيح».
ـ ولا غرو، فهناك دول بأكملها تُقفِل على نفسها حين تعجز عن ابتكار حلول لنوافذ الرِّيح، أو تكسل عن ذلك.
ـ وذلك منهاجٌ تقليديٌّ لبعض المجتمعات؛ حيث تمنع الأمر برمَّته، لأنَّ شُبهةً عَرَضَتْ فيه؛ فيُمنَع حقٌّ بدعوَى باطل، وخيرٌ بشُبهة شَرٍّ محتمَل، وإيجابيَّات كثيرة بحُجَّة سلبيَّات، ولو متوهَّمة! وما شاهدُ الضجَّة حول مخاطر قيادة المرأة للسيارة- قبل سنوات- عنَّا بعيد!
ـ سدُّ الذرائع منهاجٌ لا مندوحة عنه كسدِّ الشوارع، يا (ذا القُروح)!